الأحد , ديسمبر 8 2019
الرئيسية / منهاج الدعوة / وثيقة المدينة..الدستور الأول لتنظيم حياة البشر

وثيقة المدينة..الدستور الأول لتنظيم حياة البشر

اهتم الإسلام بالمجتمع عمومًا كما عنِيَ عناية خاصة بالفئات الضعيفة فيه، وهذا سر ما نلاحظه في القرآن الكريم من تكرار الدعوة إلى الإحسان باليتامى والمساكين وابن السبيل وفى الرقاب والغارمين تنفيذا لتكليف أمر الزكاة التى تعد ركنا من أركانه الخمس وهى فى مقدمة تقدير الإنسان وتكريمه. وذلك لأن كل واحد من هذه الأصناف يشكو ضعفًا في ناحية، فاليتيم ضعفه من فقد الأب، والمسكين ضعفه من فقد المال، وابن السبيل ضعفه من فقد الوطن، والرقيق ضعفه من فقد الحرية. فكل هذه الشرائح لا وجود لها فى عالم الغرب مع اختلاط المفاهيم والمبادئ ، ونبه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى قيمة هذه الفئات ومكانها من المجتمع، فهي عدة النصر في الحرب، وصانعة الإنتاج في السلم؛ فبجهادها وإخلاصها يتنزل نصر الله على الأمة كلها، وبجهودها وكدحها في سبيل الإنتاج يتوافر الرزق لها. وإلى هذه الحقيقة يشير حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – لسعد بن أبى وقاص، حين قال له : “هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم” ؟. ومن هنا حرص الإسلام على أن تكون هذه الفئات الجاهدة المجاهدة، مستريحة في حياتها، مطمئنة إلى أن معيشتها مكفولة، وأن حقوقها في العيش الكريم مضمونة، بحيث يجب أن يوفر لكل فرد فيها على الأقل حد الكفاية، بل تمام الكفاية من مطالب الحياة الأساسية، إذا عجز عن العمل، أو قدر عليه ولم يجده، أو وجده ولم يكن دخله منه يكفيه، أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها وهنا جاءت مشروعية الزكاة لتنهض بهم إذ عثروا، ويمدهم بالقوة إذ ضعفوا. (الضعيف أمير الركب).
وتعد وثيقة المدينة – التي نظمت العلاقات بين أطياف وطوائف شعوب الأمة، ورسمت المسارات في تعامل الأمة مع غيرها من الأمم والكيانات، هي أول دستور ينظم حياة البشر على نحو لم يعرفه التاريخ الإنساني قبل ذلك.
تلك الوثيقة التي تمت كتابتها فور هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وهي تعتبر أول دستور مدني في التاريخ، والذي أطنب فيه المؤرخون و المستشرقون على مدار التاريخ الإسلامي، واعتبره الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها السياسي والإنساني.
يقول المستشرق الروماني جيورجيو:
“حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م. ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده. (كونستانس جيورجيو : نظرة جديدة في سيرة رسول الله، تعريب : محمد التونجي، د. م : الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى، 1983م. ص56).
وهنا يكمن تفكير أصحاب الرسالات الوطنية فى تعميق السياسات الاجتماعية لتحقيق رفاهية الفرد والجماعة، واستتباب الأمن المجتمعي والتكافل الاجتماعي والتكاتف الإنساني على اختلاف دين الإنسان وعرقه؛ لتصبح الأولويات بمن يسعى جاهدا بالاهتمام بمثل هذه الشرائح.
ولما كانت النفوس مجبولة على حب المال ، كما قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ) وقال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) كان لابد لهذه المحبة والشفقة على المال من قوانين تضبط النفس، وتقيد الشح. ورتب الشارع تحصيل المال وتصريفه، وإنفاقه على الوجه الأكمل المعتدل بين الإفراط والتبذير وبين التفريط والتقتير، ( وَ?لَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما ). وللزكاة فوائد دينية واجتماعية عديدة منها تقرب العبد إلى ربه وتزيد في إيمانه، شأنها في ذلك شأن جميع الطاعات. قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَـاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}، ويمحو الله بها الخطايا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار(.
ومن فوائدها الاجتماعية (الزكوات والصدقات والكفارات ….الخ) أيضا أن فيها دفعاً لحاجة الفقراء الذين هم السواد الأعظم في غالب البلاد.، أن في الزكاة تقوية للمسلمين ورفعاً من شأنهم، ولذلك كان أحد جهات الزكاة الجهاد في سبيل اللهً.، وفيها إزالة للأحقاد والضغائن التي تكون في صدور الفقراء والمعوزين، حتى تحصل المودة والمؤاخاة ،كما فيها تنمية للأموال وتكثيراً لبركتها، “ما نقصت صدقة من مال” و فيها توسعة وبسط للأموال، فإن الأموال إذا صرف منها شيء اتسعت دائرتها، وانتفع بها الفقير من الناس، بخلاف ما إذا كانت دولة بين الأغنياء لا يحصل الفقراء على شيء منها. فهذه الفوائد كلها في الزكاة مما يدل على أن الزكاة أمرها ضروري لإصلاح الفرد والمجتمع ومن هنا نستخلص – وتأكيدا لقناعتنا – بأنه بالاسلام فقط تصلح المجتمعات وتشفى الصدور وتحقق التسامح والتصافى والاندماج بين أبناء الوطن الواحد.
وتعميقا لهذه المعانى الإسلامية وبسطا لتلك الفوائد كان لزاما على دول العالم الإسلامي خاصة أن تهتم بمشاريع العمل الاجتماعى والضمان الاجتماعى وأقامت المؤسسات لإدارة شئون مسئوليات هذه الشرائح المستهدفة كما عنيت الدولة بأمر الزكاة ووجد تطبيق هذا الشرع اهتماما كبيرا وتطبيقا حازما فى الصرف على مصارفها الثمانية عبر مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية؛ وذلك لتحقيق جملة من الأهداف بما يحقق طهارة المال وتزكية النفس وتأكيد سلطانية الدولة فى جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها بما يحقق التراحم والتكافل الاجتماعى تقديرا لإنسانية الإنسان وتكريما له.
إن لبرامج العمل الاجتماعى للمؤسسات الاجتماعية والخيرية فى البلاد لشاهد على تعمق تلك القيم والمفاهيم فى نفوس الأمة دون تمييز للجنس أو العرق أو اللون.
وكان تطبيق شعائر الإسلام “الاجتماعية” كالزكاة مثلا، شعارا للوحدة وتحقيقا للتجانس الاجتماعى بين أفراد الوطن، كلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى أو هكذا نريده لجسم الوطن الذى تتناوشه الأطماع الدنيوية والأهداف الشخصية والمؤامرات الخارجية..
ومن هذا المنحنى يصبح الإسلام دستور الامة فى تحقيق التسامى الوطنى وتحقيق الوحدة بعيدا عن الشعارات.
وضرورات تعميق تلك المعانى فى الأمة تأتى فى أولويات الأجندة الاسلامية حتى لا نغرق فى بطون دعاوى الغرب فى دعوته لحقوق الانسان وكرامة الانسان وغيرها لاأنه لا يملك المرجعية الحقة لضمان استمراره مما تجعل تلك الدعاوى مرتبطة بأزمنة معينة وأجندات محددة تنتهى بمجرد الوصول الى مراميه.
ولابد لأحزابنا الوطنية ومؤسساتنا القومية أن تسمو بقيم الوطن والمواطن وتضع أولوياته فى مقدمة الأجندات السياسية لتصبح مقومات الوطنية ومصلحة المواطن والعمل الجماعى شعارا واحدا لا تساوم فيه.
وهكذا تسمو المعانى الاسلامية فى تقدير الإنسان وتكريمه، باختلافه دياناته وأيدلوجياته وأعراقه، وفي تحقيق الوحدة الوطنية بعيدا عن الأجندات السياسية والأهداف الإنسانية المرتبطة بأطماع التدخل فى شئون الاخرين وفى معية رحاب هذه القيم الخالدة فليتنافس المتنافسون.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الشيخ هشام الكامل: هذه الأمور تطعن في مروءتك فتجنبها