الرئيسية / أعلام التصوف / د.البصيلي يكتب: ابن عطاء الله قطب العارفين وترجمان الواصلين

د.البصيلي يكتب: ابن عطاء الله قطب العارفين وترجمان الواصلين

في هذه السطور نكتب عن إمام من أئمة الشرائع والحقائق، ومرجع أهل الظاهر والباطن، إنه فقيه زمانه وقطب أوانه، مرشد السالكين إلى حضرة القدس، ومقيم المريدين في جمال الأُنس..
يقول عنه سيدي أحمد زروق رحمه الله: كان جامعاً لأنواع العلوم من تفسير وحديث وفقه ونحو وأصول وغير ذلك، لقد كان متكلماً على طريق أهل التصوف، وكان واعظا انتفع به خلق كثير وسلكوا طريقه.
ويقول ابن حجر العسقلاني في “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة” عنه: صحبَ الشيخَ أبا العباس المرسي، صاحب الشاذلي، وصنف مناقبه ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه.
ويقول عنه الذهبي في “سيَر أعلام النبلاء”: كانت له جلالة عظيمة، ووقْعٌ في النفوس، ومشاركة في الفضائل، وكان يتكلم – بالجامع الأزهر فوق كرسي – بكلام يروّح النفوس.
ويقول فيه ابن الأهدل: الشيخ العارف بالله، شيخ الطريقين وإمام الفريقين (يقصد أهل الشريعة وهم الفقهاء، وأهل الحقيقة وهم العارفون)، كان فقيهاً عالماً ينكر على الصوفية، ثم جذبته العناية فصحب شيخ الشيوخ المرسي، وفُتح عليه على يديه وله عدة تصانيف، منها الحِكَم. وكلها مشتملة على أسرار ومعارف، وحكم ولطائف، نثراً ونظماً. ومن طالع كتبه عرف فضله.
إنه تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله الجذامي نسباً. وفد أجداده المنسوبون إلى قبيلة جذام، إلى مصر بعد الفتح الإسلامي واستوطنوا الإسكندرية حيث ولد ابن عطاء الله حوالي سنة 658 هـ الموافق 1260م ونشأ كجده لوالده الشيخ أبي محمد عبد الكريم بن عطاء الله، فَقيهاً يَشتغل بالعلوم الشَرعية حيث تلقي منذ صباه العلوم الدينية والشرعية واللغوية. حتى إن من تلامذته تقي الدين السبكي شيخ الشافعية في زمانه.
والحق أن الشيخ ابن عطاء الله كان في أول حاله منكراً على أهل التصوف ومن ذلك قوله: “من قال أن هنالك علماً غير الذي بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل”. فما أن صحب شيخَه “أبو العباس المَرسي “واستمع إليه بالإسكندرية حتى أعجب به إعجاباً شديداً وأخذ عنه الطريق وأصبح من أوائل مريديه وصار يقول عن كلامه القديم: “كنت أضحك على نفسي في هذا الكلام”.
ثم تدرج ابن عطاء في منازل العلم والمعرفة حتى تنبأ له الشيخ أبو العبَاس يوماً فقال له: “الزم، فوالله لئن لزمت لتكونن مفتياً في المذهبين” يقصد مذهب أهل الشريعة ومذهب أهل الحقيقة. ثم قال: “والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعياً إلى الله وموصلاً إلى الله. والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك كذا وكذا” فكان كما أخبر.
ولقد ترك ابن عطاء الله الكثير من المصنفات والكتب، بعضها مفقود، وأبرز ما وصلنا من مؤلفاته:
1- لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن.
2- القصد المجرد في معرفة الإسم المفرد.
3- التنوير في إسقاط التدبير.
4- أصول مقدمات الوصول.
5- الطريق الجادة في نيل السعادة.
6- عنوان التوفيق في آداب الطريق، شرح بها قصيدة الشيخ “أبو مدين الغوث” (ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا).
7- تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس.
8- مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح.
9- الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة، وهي أهم ما كتبه وقد حظيت بقبول وانتشاراً كبيراً ولا يزال بعضها يُدرس في بعض كُليات جامعة الأزهر، كما تَرجم المستشرق الانجليزى آرثر آربري الكثير منها إلى الإنجليزية، وترجم المستشرق الأسباني ميجيل بلاسيوس فقرات كثيرة منها.. حتى قال بعض العارفين: “إن حكم ابن عطاء تتلألأ عليها أنوار الوحي”.
وانتقل رضي الله عنه إلى رحمة الله ورضوانه كهلا بالمدرسة المنصورية في القاهرة سنة 709 هـ ودفن بمقبرة المقطم بسفح الجبل بزاويته التي كان يتعبد فيها. بجوار خلوة السيدة نفيسة التي كانت تتعبد فيها لله، ولا يزال ضريحه مقصدا إلى الآن تعلوه السكينة، ويزينه الجلال. وقد أقيم على قبره مسجد في عام 1973م، والذي يرجع الفضل فيه إلى الإمام الأكبر الراحل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر – رحمه الله – .
رضي الله عن سيدي ابن عطاء الله السكندري، ذلكم الفقيه المالكي الصوفي الشاذلي، لقد كان أحد أركان الطريقة الطريقة الشاذلية.. فلقد عاش واحد وخمسين عاما فقط (658 هـ – 709 هـ). ولا تزال ذكراه حية وحِكَمَه غضة طرية، لا يزال الشُّرَّاح يستكشفون مكنونها ويستكنهون مدلولاتها، وما زال المربُّون يستخرجون أسرارها ويُنَقِّبون عن كنوزها، حتى قال قائلهم: “لو جازت الصلاة بشيء غير القرآن لكان الأولى بذلك حِكَمُ ابن عطاء الله”.
فلا غرو أن لقَّبه الأولياء العاملون والعلماء العارفون بـ “قطب العارفين” و”ترجمان الواصلين” و”مرشد السالكين”. لقد كان بحق رجلاً صالحاً عالماً يتكلم على كرسيه بالأزهر المعمور ويحضر ميعاده خلق كثير، وكان لوعظه تأثير في القلوب، وكان له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق، وله ذوق ومعرفة بكلام الصوفية وآثار السلف. وكان ينتفع الناس بإشاراته وعباراته، ويستفيدون من لَحْظِهِ ولفْظِهِ، وله موقع في النفوس وجلالة. رحمه الله ورضي الله ونفعنا بعلومه في الدارين.. آمين.

شاهد أيضاً

في كفارة اليمين هل يجوز دفع المال نقدا للمساكين أم الإطعام؟

أجاز فقهاء الحنفية وغيرهم دفع القيمة بدلا عن الإطعام في كفارة اليمين وغيرها، خلافا لجمهور …