الرئيسية / المجلس الحديثي / رَفْعُ المَلام عن حديث “لاَ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلاَمِ”

رَفْعُ المَلام عن حديث “لاَ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلاَمِ”

د.احمد البصيلي

ورد النهى فى الحديث الشريف عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ مرفوعاً :(لاَ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلاَمِ وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِى الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ).
وهذا الحديث فى ظاهره الشدة غير المألوفة من المسلمين تجاه غيرهم من غير المسلمين والسؤال: هل هذا التعامل يمثل الواقع فى حياة سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ؟
هل كان النبى لا يسلم على غير المسلمين ، وإذا مرَّ به أحدهم ضيق عليه طريقه ؟
الجواب فى ذلك : حاشاه أن يكون هكذا .
ولأجل هذا طعن جماعة فى صحة هذا الحديث الشريف وهم فى ذلك من الزاعمين أنه يخالف صحيح الإسلام .
والذى لا يصح إطلاقا: ذلك التجاسر على ما صح فى الحديث الشريف بالسند المتصل فنرفض كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمجرد أنه من وجهة نظرنا غير صحيح ومخالف لما استقر فى الشرع الشريف . والذى يجب أن يقال : إن الحديث صحيح لوروده بالسند الذى لا مطعن فيه ولكنه يوجه إلى أنه واقعة حال وليست واقعة دوام ، أى قال النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك فى حادثة معينة ، ولا يصح أن تعمم فى كل زمن ونجمد على النص ، فيجب تخصيص هذا الحديث بالواقعة التى نزل الحديث فيها ليصدق معناه على ما جاءت به الأخبار الكثيرة المتواترة من صور سماحته وشفقته ورحمته بغير المسلمين ، ولعلَّ هذا ما جاءت به الروايات ، فعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : ” إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى الْيَهُودِ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ “.
وفى مسند ابن أبى شيبة بلفظ (عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّا قَادِمُونَ إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْتَدِئُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ”.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” إنكم لاقون اليهود غداً، فلا تبدءوهم بالسلام ، فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليك”.
فقد جاء الحديث فى حين غزو النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبنى قريظة ، فإذا ما قامت الحرب بينك وبين أعدائك فهل هناك مجال للسلام أو الود ؟ وقد تضاربت فى ذلك أفهام أصحابه الكرام ، هل هى قضية عموم أم خصوص؟
فرأينا الكثير من الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يجوِّزون إلقاء السلام على أهل الكتاب وغيرهم ، وممن ورد عنهم ذلك :
سيدنا أبو أمامة كما رواه ابن أبى شيبة فى الأدب (باب ما جاء في ابتداء أهل الشرك بالسلام) ثم ذكر عن أبي أمامة: (أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأهم بالسلام).
فقد كان يُسلِّم على كل من لقيه قال : فما علمت أحداً سبقه بالسلام إلاَّ يهودياً مرة اختبأ له خلف أسطوانة فخرج فسلَّم عليه فقال له أبو أمامة : ويحك يا يهودي ما حملك على ما صنعت ؟ قال له : رأيتك رجلاً تكثر السلام فعلمت أنه فضل فأردت أن آخذ به ، فقال له أبو أمامة : ويحك إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـيقول : ” إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأماناً لأهل ذمتنا “.
ثم روى عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ : (من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً فإن الله يقول : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها }.
وعن ابن عجلان: (أن عبد الله بن مسعود، وأبا الدرداء، وفضالة بن عبيد كانوا يبدؤون أهل الشرك بالسلام)
وروى البخارى فى (الأدب المفرد) جوازه عن أبى موسى الأشعرى ـ رضى الله عنه ـ فأورد بسنده إلى أبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ “أَنَّ أَبَا مُوسَى، كَتَبَ إِلَى دَهْقَانَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ. فَقِيلَ لَهُ: أَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ كَافِرٌ؟! قَالَ: إِنَّهُ كتب إلي يسلم عليَّ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ.
وأورد البيهقى فى (شعب الإيمان) رواية تجيز ذلك من فعل ابن عمر ـ رضى الله عنهما ـ فأورد بسنده إلى أَبِي عَمْرٍو النَّدَبِيِّ ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ ” فَمَا لَقِيَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ مَرَّ بِعَبْدٍ أَعْمَى أَوْ قَالَ: أَعْجَمِيٌّ، فَجَعَلَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ أَعْجَمِيٌّ”.
فابن عمر يسلم على أى أحد وإن كان أعجمياً ، وقد يكون على الإسلام أو غيره ، ولم يستفسر عن دينه قبل إلقاء السلام .
ثم إن البخارى قد روى فى صحيحه أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم .
فإن قال سلم وقصده المسلمون ، قلنا لا دليل على الخصوصية لأسباب :
الأول : أن الفعل قد صدر من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على وجه العموم ، ولم يقل السلام عليكم يا جماعة المؤمنين ، فتخصيصه بالمسلمين تحكم بلا دليل.
الثانى : أن ما ورد عن كثير من الصحابة سابقاً ينفى هذا المعنى ، ولا شك أن فهمهم للهدى النبوى مقدم على من سواهم ، فلو علم الصحابة الكرام أن ذلك على عمومه لما أجازوا ان يسلموا على أهل الكتاب وهم أكثر الناس تشبهاً وتمسكاً بالهدى النبوى.
الثالث : روى البخاري وغيره أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ).
ولو كان السلام على غير المسلمين غير جائز لقال الرسول : على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين ، وهو يلزم الإنسان أن يسأل من يقابله عن دينه قبل أن يُلق عليه السلام؟!!
الرابع : التمسك بالعموم ليس بمستقيم لا سيما أن أحاديث النهى عن ابتدائهم بالسلام كما روى عن غير واحد لعلة قولهم (السام عليكم) وتعميم القول بأنهم جميعاً يقولون هذا فليس بمستقيم ، فكان النهى عن ابتدائهم والرد عليهم كان لأجل العلة التى من أجلها نهى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا ما انتفت العلة سقط النهى كما هو معلوم عند أهل الأصول (الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً).
وإن ثبت قولهم السام عليكم امتنع ابتداؤهم بالسلام وعاد الحكم إلى أصله .
فالسلام على كل المسالمين، وإن لم يكونوا من المسلمين، ولا سلام على المعتدين حتى وإن كانوا مسلمين.

شاهد أيضاً

د.البصيلي يكتب..فضل قيام ليلة النصف من شعبان وصيام يومها

يستحب في ليلة النصف من شعبان، الإكثار من العبادة والذكر والدعاء. ولقد ورد في فضل …