الرئيسية / المجلس الحديثي / د.البصيلي..كيف نفهم حديث “إن أبي وأباك في النار”؟!

د.البصيلي..كيف نفهم حديث “إن أبي وأباك في النار”؟!

روى الإمام مسلم وغيره بسنده عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ).
وفي صحيح مسلم أيضا وغيره عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِى فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ”.
ولقد كثر اللغط والغلط حول هذين الحديثين حتى عد جماعة أن تكفير والدى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم من تمام الإيمان ، وأنك إذا قلت بنجاتهم فإنك تغضب بذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذى قال بأن أباه فى النار صراحة !!
والحق أن هذا اجتراء غير جائز وتطاول على النصوص الشرعية ، فالثابت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يكره من يذكر أهله بسوء ، وخاصة آباءه وأجداده ، فعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال : أتى ناس من الأنصار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا : إنا نسمع من قومك حتى يقول القائل منهم : إنما مثل محمد نخلة نبتت في الكبا – قال حسين : الكبا : الكناسة – فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” أيها الناس من أنا ؟ ” . قالوا : أنت رسول الله .قال : ” أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب “.
قال : فما سمعناه ينتمي قبلها ” ألا إن الله ـ عز و جل ـ خلق خلقه ثم فرقهم فرقتين فجعلني في خير الفريقين ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ” . صلى الله عليه و سلم. (رواه الترمذي وحسنه، وأحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك وغيرهم).
وقد كان يفتخر النبي عليه الصلاة والسلام بآبائه قائلا: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع)
وكان يقول يوم حنين بين أصحابه فى المعركة : (أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ) أى الطاهرات أو المتضمخات بالطيب . وكان يقول : (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).
وقال المناوى ـ رحمه الله ـفي “فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي” عند شرحه لحديث : (لا تسبوا الأموات) قال : الذين ليسوا بكفار ولا فجار بعد موتهم (فتوذوا الأحياء) من بنيه وأقاربه أخذ منه جمع حرمة ذكر أبوي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما فيه نقص فإن ذلك يؤذيه ، وإيذاؤه كفر..).
ويؤيده كذلك ما ورد من شكاية العباس لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما سب أحد الناس أباً له ، فلطمه العباس فهموا بأذيته ، فصعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنبر ثم قال: يا أيها الناس أي الناس أكرم على الله؟ قالوا: أنت، قال: فإن العباس مني وأنا منه، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا، فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله، نعوذ بالله من غضبك، استغفر لنا. (رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى، وأحمد في فضائل الصحابة، والبزار في مسنده وحسّنه).
فثبت بذلك غضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من ذكر أبويه أو أصله بسوء .
حتى قال ابن ناصر الدين الدمشقى :
تنقل أحمد نوراً عظيماً … تلألأ فى جباه الساجدينا
تقلب فيهم قرناً فقرناً … الى أن جاء خير المرسلينا
ومع أن الخلاف فى المسألة مشهور وقد جزم البعض من أهل العلم بغير نجاتهما لظاهر الأحاديث ، إلا أن كثيراً من أهل العلم قد جزم بنجاتهما وسائر أصوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعدة أسباب :
أولا : ليس هذا الحديث أو غيره صريح فى دخول والديه النار ، وذلك لأن العرب تطلق لفظ (الأب) على الأب الحقيقى ، ومن يقوم بالتربية ، وتطلقه على العم ، وتطلقه على الجد ، فاستعمال الأبوين من غير ولادة حقيقية ، مجاز صحيح في اللسان العربي (والعرب تجعل العم أبا والخالة أما ومنه قوله تعالى { ورفع أبويه على العرش } يعني أباه وخالته وكانت أمه قد ماتت ، وقال أيضاً حكاية عن يوسف { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب } وكان إسحاق جده وإبراهيم جد أبيه والمراد من قوله تعالى { كما أخرج أبويكم من الجنة } آدم وحواء ، وهذا المجاز مشهور في الإنجيل، وفيه أن عيسى – عليه السلام – قال : أنطلق إلى أبي وأبيكم ، وأراد الرب سبحانه لأنه القائم بمصالح العباد وإتمام أمورهم).
فإذا كانت اللغة تقول بذلك ، فلا يصح معارضة نصوص الوحى الشريف ببعضه ، وحمل الكلام هنا على ما تقتضيه قواعد اللغة مقدم على ضرب النصوص بعضها ببعض .
ثانيا : ما ذهب إليه الجمهور من أهل السنة من كون أهل الفترة الذين لم يبعث الله تعالى لهم رسولاً غير مكلفين ، لقول الحق سبحانه : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا }[الإسراء:15].
والمعلوم أن أهل مكة لم يرسل الله تعالى إليهم رسلاً لقوله سبحانه : {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [سورة القصص : 46]،{ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [يس:6]. فكانت دعوة كل نبى خاصة بقومه ومن بعث فيهم ، ولم يرسل الله تعالى إلى قومه أحداً ، فكيف يرفع الله تعالى العذاب عن أهل مكة جميعاً قبل بعثته ويحاسب عليه الأبوين الكريمين.
ويجاب عن النهى فى الاستغفار لأمه والإذن بزيارتها أنه ليس مصرحاً بكفرها بل هو نظير نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة على من كان عليه دين ، ولم يحكم أحد بأنهم فى النار أو على الكفر ، وقد ورد ما يثبت أنها على التوحيد كما رواه غير واحد.
ثالثا : ورود الآثار النبوية التى تشير إلى شفاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم لآل بيته كما فى حديث ابن مسعود : (.. فَقَالَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ أَرْ رَجُلًا كَانَ أَكْثَرَ سُؤَالًا لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَى أَبَوَاكَ فِي النَّارِ فَقَالَ: «مَا سَأَلْتُهُمَا رَبِّي فَيُعْطِينِي فِيهِمَا وَإِنِّي لَقَائِمٌ يَوْمَئِذٍ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ). (رواه الحاكم في مستدركه وصححه).
فهذا الحديث كما قال السيوطي يشعر بأنه يرتجي لهما الخير عند قيامه المقام المحمود، وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة، ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام: سل تعط، واشفع تشفع كما في الأحاديث الصحيحة، فإذا سأل ذلك أعطيه).
وعن عبد الرحمن بن أبي رافع أن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ قال لأم هانئ بنت أبي طالب: اعملي، فإن محمداً لا يغني عنك شيئاً، فجاءت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبرته به، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي! وإن شفاعتي تنال حاء وحكم “. – وحاء وحكم قبيلتان.
ناهيك عما ورد من ثبوت شفاعته لأبى طالب وتخفيف العذاب عنه مع ثبوت كونه لم يمت على التوحيد على أرجح القولين ، فما بالك بقدر شفاعته لمن كان من أهل الفترة ولم تبلغه دعوته !!.
رابعا: لم يثبت أبداً عن أحد من آبائه وأجداده أنه عبد وثناً أو سجد لصنم ، أو عبد غير الله تعالى ؛ بل ورد خلاف ذلك فى عدة روايات فجاء فى الحديث : (لَا تَسُبُّوا مُضَرَ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ)، وقال : (لا تسبوا تبعاً ؛ فإنه قد كان أسلم).
وعن الزهري، قال: ” أول ما ذكر من عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله , صلى الله عليه وسلم, أن قريشا خرجت فارة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب، فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره، قال: فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش، فقال:
لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم وضلالهم عدوا محالك
فلم يزل ثابتاً حتى أهلك الله تبارك وتعالى الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصبره، وتعظيمه محارم الله.
ولما أخذ أبرهة غنمه وذهب إليه قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان.
فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، فلما قال به ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك.
خامسا: وعلى أية حال لا ينبغي ذكر هذه المسألة إلا مع مزيد الأدب ، وليست من المسائل التي يضر جهلها ، أو يسأل عنها في القبر أو في الموقف ، فحفظ اللسان عن التكلم فيها إلا بخير أولى وأسلم.
إلى غير ذلك من الأدلة التى لو بسطتها لطال المقام ، ولكن ما ذكرته كافٍ لإثبات ما ذهب إليه الكثير من أهل العلم ، فإن قال قائل : نسلم بأن أباء النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهل الجنة ، ولكن كيف نجمع بين الثابت والمتفق عليه ، وهو أن إبراهيم عليه السلام هو جد من أجداد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان والده على الكفر فنسبه متصل به ؟
قلنا : وما يقال فى أبوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقال عن أبى نبى الله إبراهيم عليه السلام ، وهذا ما أثبته القرآن فى حجة قوية تقابل كل ما يقال بخلاف ذلك ، وهو دليل ناصع كالشمس فى ضحاها أسوقه لك بيسرٍ ووضوح :
معلوم أن الله تعالى قد نهى إبراهيم عليه السلام أن يستغفر لأبيه فى حال حياته لأن الله أوحى إليه أنه سيظل على الكفر كما قال الله تعالى : {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [سورة التوبة : 114].
فهذه الآية تشير إلى أن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد نُهى عن الاستغفار والدعاء لأبيه لأنه عدو لله ، كان هذا فى بدء الدعوة وبعد قصة تعرضه ـ عليه السلام ـ لأذى قومه فى قصة النار ، ثم مات والده وهاجر إبراهيم وتزوج ورزقه الله تعالى بولدين كريمين وهما نبيا الله (إسماعيل وإسحاق) ثم فى آخر العمر يدعو إبراهيم عليه السلام لوالديه بالرحمة والمغفرة ، إقرأ قول الله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ }[سورة إبراهيم : 39 : 41].
فكيف بعد مرحلة النهى يستغفر له فى آخر العمر فلزم المصير بأن المواعدة وكل حكاية فى القرآن الكريم تخبر عن إبراهيم مع أبيه الكافر يعلم أن المراد به العم على صحة اعتبار إطلاق الأب على الجد والعم.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السُّدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم آزر، فقال : بل اسمه تارح).
وقال الإمام الزجاج المتوفى 311 هـ : (وليس بين النسَّابِيَنِ خِلاف أن اسم أبي إِبراهيم ” تارِح ” والذي في القرآن يَدُل على أن: اسمه آزرُ، وقيل آزرُ عندهم ذَمٌّ في لُغتِهم، كأنه قال : وَإذ قال إبراهيم لأبيهِ يا مخطئ أتتَخِذُ أصناماً).
وقال الإمام الرازى : (والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركاً، وثبت أن آزر كان مشركاً ، فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنساناً آخر غير آزر).
وهو دليل آخر على براءة والديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه من أصول ذريته .
فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم نلقاك.

شاهد أيضاً

في كفارة اليمين هل يجوز دفع المال نقدا للمساكين أم الإطعام؟

أجاز فقهاء الحنفية وغيرهم دفع القيمة بدلا عن الإطعام في كفارة اليمين وغيرها، خلافا لجمهور …