الإثنين , سبتمبر 20 2021
الرئيسية / مقالات / د.البصيلي يكتب..التمثيل بقتلى العدو بين تحريم الإسلام وسلوك المتطرفين

د.البصيلي يكتب..التمثيل بقتلى العدو بين تحريم الإسلام وسلوك المتطرفين

الأصل أن التمثيل بالقتلى – حتى من العدو – حرام، فقد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث بريدة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً… الحديث” (أخرجه مسلم في صحيحه)، والتمثيل هو قطع أعضاء المقتول كأذنيه وعينيه وأنفه، ومن التمثيل بقر بطنه، أو حرقه.
وإذا كان التمثيل بأبدان القتلى الكفار لا يجوز فمن باب أولى أنه لا يجوز تحريقها، لكن إذا كان الكفار يمثلون بقتلى المسلمين جاز التمثيل بقتلاهم؛ وقد نزل في ذلك قوله تعالى : {“وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ”، وهذا من باب “فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَااعْتَدَى عَلَيْكُم”
فالمُثْلةَ حرامٌ بعد القدرةِ عليهم سواءٌ بالحي أو الميتِ ، بل ذهب بعضهم إلى أنهُ لا خلاف في تحريمهِ كالزمخشري في تفسيره (2/503) فقال: “لا خلاف في تحريمِ المُثْلةِ “، وحكى الصنعاني الإجماعَ في ” سبل السلامِ ” (4/200) فقال : ” ثُمَّ يُخْبِرُهُ بِتَحْرِيمِ الْغُلُولِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَتَحْرِيمِ الْغَدْرِ وَتَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ وَتَحْرِيمِ قَتْلِ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ وَهَذِهِ مُحَرَّمَاتٌ بِالْإِجْمَاعِ “.ا.هـ.
وقال الإمام الترمذي : ‏وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ ‏‏الْمُثْلَةَ .
وعلق المباركفوري على عبارةِ الترمذي فقال : ” ‏أَيْ حَرَّمُوهَا فَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ وَقَدْ عَرَفْت فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ السَّلَفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا الْحُرْمَةَ ” .ا.هـ.
قال الإمامُ الشوكاني في ” نيل الأوطار ” (8/263) : قَوْلُهُ : ” وَلَا تُمَثِّلُوا ” فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ .ا.هـ.
وعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ ،‏ عَنْ النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏أَنَّهُ نَهَى عَنْ ‏‏النُّهْبَةِ ،‏‏ وَالْمُثْلَةِ . رواهُ البخاري (2474).
والنُّهْبَة : أَيْ أَخْذ مَال الْمُسْلِم قَهْرًا جَهْرًا .
ويمثلُ بالكفارِ إذا مثلوا بالمسلمين معاملةً بالمثلِ . عملا بقولهِ تعالى : ” وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ “. النحل : 126 .
قال ابنُ تيميةَ في ” الفتاوى ” (28/314) : ” فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ وَقَدْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ” مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً إلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ حَتَّى الْكُفَّارُ إذَا قَتَلْنَاهُمْ فَإِنَّا لَا نُمَثِّلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ وَلَا نَجْدَعُ آذَانَهُمْ وَأُنُوفَهُمْ وَلَا نَبْقُرُ بُطُونَهُمْ إلَّا إنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا فَنَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا ” . وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ” وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ ” .ا.هـ.
وقال ابنُ القيمِ في حاشيته على سنن أبي داود (12/278) : ‏وَقَدْ أَبَاحَ اللَّه تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُمَثِّلُوا بِالْكَفَّارِ إِذَا مَثَّلُوا بِهِمْ , وَإِنْ كَانَتْ الْمُثْلَة مَنْهِيًّا عَنْهَا . فَقَالَ تَعَالَى : ” وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ” [ النحل : 126 ] وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَة بِجَدْعِ الْأَنْف وَقَطْع الْأُذُن , وَبَقْر الْبَطْن وَنَحْو ذَلِكَ هِيَ عُقُوبَة بِالْمِثْلِ لَيْسَتْ بِعُدْوَانٍ , وَالْمِثْل هُوَ الْعَدْل ” .ا.هـ.
عَنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏قَالَ :‏ ‏” لَمَّا كَانَ يَوْمُ‏ ‏أُحُدٍ ‏‏أُصِيبَ مِنْ ‏‏الْأَنْصَارِ ‏‏أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا ، وَمِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏‏سِتَّةٌ فِيهِمْ ‏: ‏حَمْزَةُ ‏؛ ‏فَمَثَّلُوا ‏‏بِهِمْ فَقَالَتْ ‏‏الْأَنْصَارُ :‏ ” ‏لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هَذَا ‏ ‏لَنُرْبِيَنَّ ‏عَلَيْهِمْ ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ ‏‏مَكَّةَ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ” وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ” ‏فَقَالَ رَجُلٌ : ” لَا ‏‏قُرَيْشَ ‏‏بَعْدَ الْيَوْمِ ” ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :‏ ” ‏كُفُّوا عَنْ الْقَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً” .
ولقد عفا الرسول عن هند أم معاوية زوجة أبوسفيان كما عفا عن وحشي الذي قتل غدرا سيدنا حمزة وامتثل الرسول عليه السلام لأمر الله تعالي ولم يمثل بأحد بل عفا عنهم.
وقد بوّب أبو داود في سننه بابا بعنوان: “باب كراهية حرق العدو بالنار”، وأورد فيه هذا الحديث:
عن أبي الزناد حدثني محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّره على سرية قال فخرجت فيها وقال إن وجدتم فلانا فأحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت إليه فقال إن وجدتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.

بل لا يجوز لأحد أن يسب الجاني بعد قتله قصاصاً، أو يشتمه، أو يلعنه، وكذا من أقيم عليه حد الزنا، أو القذف، أو الجلد؛ لأن الله أقامهم أمام العباد اعتباراً، ولم يُقمهم شماتة، فلا يحل لأحد أن يسبهم أو ينتقصهم.
والجاني إذا كان مسلماً واقتص منه يغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قصةِ مَاعِز –وفيه- قَالَ: فَجَاءَتِ الغَامِدِيّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهّرْنِي. وَإِنّهُ رَدّهَا. فَلَمّا كَانَ الغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لِمَ تَرُدَّنِي؟ لَعَلّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَالله إِنّي لَحُبْلَى. قَالَ: «إِمّا لاَ، فَاذْهَبِي حَتّى تَلِدِي» فَلَمّا وَلَدَتْه أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي خِرْقَةٍ. قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدَتْ. قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِميهِ». فَلَمّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ وفي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا يَا نَبِيّ الله قَدْ فَطَمْتُهُ، وأَكَلَ الطّعَامَ. فَدَفَعَ الصّبِيّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ … فَسَبّهَا. فَسَمِعَ نَبِيّ الله؟ سَبّهُ إِيّاهَا. فَقَالَ «مَهْلاً يَا خَالِدُ! فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ». ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَصَلّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. أخرجه مسلم.

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..بر الوالدين طريق التوفيق وملاذ الأمان في الدنيا والآخرة

  إن الإسلام جعل حق الوالدين بعد حق الله مباشرة، كما جعل “عقوق الوالدين” أكبر …