الإثنين , سبتمبر 20 2021
الرئيسية / مقالات / د.البصيلي..الإرهاب الفاحش الذي يتبناه تنظيم داعش

د.البصيلي..الإرهاب الفاحش الذي يتبناه تنظيم داعش

تاريخ الإرهاب والعنف قديم جداً لكنه كان على أيد آثمة تعرف وتكشف من بدايتها ويعرفها المسلمون بأماراتها وعلاماتها·
أليس أمير المؤمنين عثمان بن عفان قد تسور عليه الدار وأحيط بداره باسم الإسلام وهم يريدون الفتنة وباسم العدل وهم يريدون الخيانة، وباسم الثأر وهو يريدون الجريمة؟ تسوروا وتواطأوا وتمالؤوا وحبس أمير المؤمنين عن الماء وعن المسجد وقطع عليه الزاد، ثم اقتحمت عليه الدار وجثم الجاثمون على صدره وطعنوه وقطعوا أصابع زوجته وسال دمه·
ليس الإرهاب جديداً في تاريخنا لكن الجديد أن يكون الإرهاب والإفساد والتخريب والقتل والتدمير يجد مساغاً أو نوع قبول أو خجلاً في النقد أو توجساً في المواجهة والاستنكار، أو استحياء بالتصريح بالإرهاب وقادته ومن يقف وراءه ودوافعه وأسبابه·
الفتن لا شك أنها متتالية، لكن الفتن أن يقف الناس مكتوفي الأيدي في مواجهتها، ودفعها وردها عن مجتمعاتهم وأنفسهم·
تلك فتن استدرجت بعض الأغرار وبعض الصغار، وبعض المتحمسين، وقادها مجرمون، يعملون لصالح كتل باطلة ضالة مدمرة لن يقر لها قرار إلا أن ترى هذه البلاد كالصومال مجاعة وكأفغانستان تشرداً، وكالعراق فوضى، لن يقر لهؤلاء الأعداء قرار إلا أن تشعل الحرب نار الطائفية والفتن، ويقتل الناس بعضهم بعضاً بشرارة كانت بدايتها مطية أو شعاراً اسمه بغض الكفار والولاء للمسلمين والبراءة من الكافرين.
والمصيبة أن الأمة إذا تساهلت بالأمن الفكري فإن الخلل يتبعه أمنٌ مخرب، أمنٌ مخترق، أمنٌ ضعيف، أمنٌ مختل، بسبب ما سبقه من التهاون في مسائل الأمن الفكري.
ما لم نكن على غاية من الجرأة والشجاعة في نقد هذه المسالك الفكرية المنحرفة فإننا ندفع الثمن غالياً، ولن ننعم بالعبادة ولن ننعم بالخيرات والبركات المتدفقات: {فّلًيّعًبٍدٍوا رّبَّ هّذّا البّيًتٌ (3)الذٌي أّطًعّمّهٍم مٌن جٍوعُ وآمّنّهٍم مٌنً خّوًفُ (4)} [قريش]، إذاً العبادة بكل أنواعها ظاهرة وباطنة نفسيه ومعنوية، بشعائرها التعبدية، وغاياتها ومسائلها المشروعة، العبادة باسمها الجامع لكل ما يحبه الله، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة تحتاج إلى أمرين: تحتاج إلى السلامة من المجاعة وتحتاج إلى أجواء آمنة مطمئنة إلى مناخ هادئ وادع، وبدون كفاية الناس في طعامهم وشرابهم، وبدون كفاية الناس في أمنهم، فإن أول بلوى تحيق بهم وتحل بهم، أنهم يحرمون لذة العبادة، وطعم العبادة بكل أنواعها وما يصدق عليها.
إذا اختل الأمن أصبحت مطالب الناس السلاح والغذاء والدواء، والبحث، بل والهرب بعيداً عن مواقع الفتن لجوءاً إلى ملاذ آمن، ولو كان قبراً في أرض أو كهفاً في جبل·
إن أخطر البلايا أن يكون الدم وسيلة إلى التغيير، وأخبث من ذلك حينما يقال: إن الدم أمر يتقرب به إلى الله عزّ وجلّ، {وإذّا قٌيلّ لّهٍمً لا تٍفًسٌدٍوا فٌي الأرًضٌ قّالٍوا إنَّمّا نّحًنٍ مٍصًلٌحٍونّ (11)ألا إنَّهٍمً هٍمٍ المٍفًسٌدٍونّ ولّكٌن لاَّ يّشًعٍرٍونّ (12)} [البقرة]، هل هذا من الدين أن يردى الناس قتلى وأن يقتحم على المستأمنين الذين دخلوا البلاد بعهد وإذن من ولي الأمر؟ ثم في لحظة يجدون أنفسهم ما بين من ترملت زوجته وتيتم طفله، وفجع أهله وحلت المصيبة في داره بعد أن كان مسافراً أو مغادراً يريد أن يعود إلى أهله برزق ولقمة، هل في القرآن دليل أو في السنَّة ما يجيز لك أن تقتل أقواماً دخلوا مستأمنين غير حربيين: {لا يّنًهّاكٍمٍاللَّهٍ عّنٌالذٌينّ لّمً يٍقّاتٌلٍوكٍمً فٌيالدٌٌَينٌ ولّمً يٍخًرٌجٍوكٍم مٌَن دٌيّارٌكٍمً أّن تّبّرٍَوهٍمً وتٍقًسٌطٍوا إلّيًهٌمً إنَّاللَّهّ يٍحٌبٍَالمٍقًسٌطٌينّ ال8) إنَّمّا يّنًهّاكٍمٍاللَّهٍ عّنٌالذٌينّ قّاتّلٍوكٍمً فٌيالدٌَينٌ وأّخًرّجٍوكٍم مٌَن دٌيّارٌكٍمً ..(9)} [الممتحنة].
أن هذا الفقه العفن والفهم المنحرف، لو كان سائغاً لكان أقل ما ينبني عليه أن كل من تراه إذا كان غير مسلم فإن عرضه لك، وماله لك، ودمه مهدر بين يديك..!
من قواعد هذه الشريعة أن الدماء معصومة والأموال معصومة والحقوق والأعراض معصومة معظمة محرمة لا تستباح باجتهاد قاصد، ولا تسفك برأي متحمس، ولا تهدر بحماس مقتدر أيّا كان، والولاء للمسلم لا يمنع من إقامة الحد عليه والبراء من الكافر لا يجيز أن نظلمه: {ولا يّجًرٌمّنَّكٍمً شّنّآنٍ قّوًمُ عّلّى أّلاَّ تّعًدٌلٍوا اعًدٌلٍوا هٍوّ أّقًرّبٍ لٌلتَّقًوّى} [المائدة: 8]،
إن الجبن والخوف والتردد في طرح كل نقد واضح بحجة جلية بهذا الفكر يجعل كل مسلم ومسلمة يدفعون الثمن غالياً كما دفعه الضحايا السالفون.
هكذا ندفع الثمن شئنا أم أبينا، إذا سكتنا أو ترددنا في طرد هذا الفكر أو إعلان العداوة له مهما كان الثمن ومهما كانت النتيجة، وأن من واجبنا أن نقف صفاً واحداً وصوتاً واحداً وبياناً واحداً كل من قبله ومن موقعه ومن منبره ومن عمله ومن ميدانه أن نعلن أننا أبرياء من هذا الفعل، وأن الإسلام بريء من هذا الفعل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالشريعة والحنيفية السمحة، وقال: “إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه”، وقال: “إن الله رفيق يحب الرفق بالأمر كله”، وما خُيِّر ” بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً· كل نصوص الشريعة تقول لنا إن الدين جاء تخفيفاً ورحمة وما جاء تزمتاً وتعقيداً ونقمة· الذين لا يعرفون التدين كالماء البارد على الظمأ، وكالطعام اللذيذ عند الجوع، وكالفراش الناعم في جوف الشتاء القارس في جوف الليل، الذين لا يجدون لذة التدين والرفق واللين واليسر فليراجعوا هذا التدين وإن سموه كذلك·
نعم القابض على دينه مثل القابض على الجمر، لكن في معاملة البشر والنفس مجاهدة لا شك أنها في حقيقتها لذة، وانسجام وطمأنينة وراحة·
ما جاء التدين إلا لنكون شامات بيضاء، لنكون ومجتمعنا متحدين في سياق واحد، ما جاء التدين ليحسبنا أقساماً وأصنافاً وأحزاباً وأنواعاً، إنما لنكون كما قسمنا القرآن إما سابقا بالخيرات أومقتصداً أو ظالماً لنفسه، الفقه والعلم والاستقامة والتدين تجعل من رأى بنفسه صلاحاً يدنو بغاية الشفقة واللين والرحمة والحكمة لمن فاتهم ذلك حتى يجدوا ملة الإيمان ما فاتهم كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم·
وأرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم بدينٍ كلُّه رحمة وخير وسعادة لمن اعتنقه وتمسّك به، قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:57، 58]، وتتجلّى رحمة الإسلام في مقاصده العظيمة وقواعده الجليلة ونُظمه الفريدة وأخلاقه النبيلة، فهو رحمة في السلم والحرب، ورحمة في الشدة والرخاء، ورحمة في الوسع والضيق، ورحمة في الإثابة والعقوبة، ورحمة في الحكم والتنفيذ، ورحمة في كل الأحوال.
ولتحقيق هذه الرحمة جاء الإسلام بحفظ الضروريات الخمس التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج واضطراب وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.
وهذه الضروريات الخمس هي الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وأعظمها بعد مقصد حفظ الدين مقصدُ حفظ النفس، فقد عُنيت الشريعة الإسلامية بالنفس عناية فائقة، فشرعت من الأحكام ما يحقّق لها المصالح ويدرأ عنها المفاسد، وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها ودرء الاعتداء عليها.
وقد وضعت الشريعة الإسلامية تدابير عديدة كفيلة بحفظ النفس من التلف والتعدي عليها, بل سدّت الطرقَ المفضية إلى إزهاقها أو إتلافها أو الاعتداء عليها, وذلك
بسدّ الذرائع المؤدّية إلى القتل.
منها: النهي عن القتال في الفتنة:
عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل, فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابنَ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني عليًّا ـ قال: فقال لي: يا أحنف, ارجِع, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار))، قال: فقلت أو قيل: يا رسول الله, هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه قد أراد قتل صاحبه))
ومنها النهي عن الإشارة بالسلاح ونحوه من حديدة وغيرها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه, وإن كان أخاه لأبيه وأمه))
ومنها: النهي عن السبّ والشتم المفضي للعداوة ثم التقاتل:
قال تعالى: {وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا} [الإسراء53].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..بر الوالدين طريق التوفيق وملاذ الأمان في الدنيا والآخرة

  إن الإسلام جعل حق الوالدين بعد حق الله مباشرة، كما جعل “عقوق الوالدين” أكبر …