الجمعة , يناير 22 2021
الرئيسية / منوعات / د.البصيلي يكتب..حرمة الدم وعصمة النفس

د.البصيلي يكتب..حرمة الدم وعصمة النفس

كانت البشرية قبل البعثة المحمدية تعيش حياة غير مستقرة، بل حياة مستعرة، يسودها الخلاف، وينعدم فيها الائتلاف، عمها الاستخفاف، واكتنفها الإسفاف، قتال وتناحر، قطيعة وتداحر، صراع من أجل البقاء، غثاء وجفاء، لا محبة ولا إخاء، ولا إيثار ولا صفاء ..الخ ، تلكم كانت مجمل الحياة الوثنية، والرغبات الإنسانية، في وقت غابت فيه الدساتير الإلهية، والنصوص الربانية، فرحم الله البشرية، حيث أرسل لها أرحم البرية سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله وسلم عليه ، حيث أماط لثام الأنانية، وخلع قناع الجاهلية، فأنارت الدنيا بالرسالة، وأشرقت بالبشارة، فتحول الظلام نهاراً، وأصبح العلم مناراً .
إن الإسلام دين يحفظ الأموال والأنفس والأعراض والدماء والعقول، من الإزهاق والأفول، إنه الإسلام دين الحب والسلام، دين الألفة والوئام، دين الهدى لكل الأنام.
نعم.. إنه دين التراحم، وشريعة التلاحم، كيف لا والله عز وجل هو أرحم الراحمين، سبقت رحمته غضبه، وغلبت مغفرته سطوته، قال تعالى( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ” إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ، إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِى ”
وجاءت سنة الحبيب المصطفى، والنبي المجتبى، مليئة بصور الرحمة، وقصص الرأفة، فكان إذا أرسل جيشاً لقتال الكفار المعتدين قال لهم : ” انْطَلِقُوا باسْمِ الله ، وَبالله وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله، وَلا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً ، وَلاَ طِفْلاً وَلا صَغيراً ، وَلا امْرَأةً ، وَلا تَغُلُّوا ، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُم ، وَأصْلِحُوا وَأحْسِنُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ “.
فالإسلام قد عظَّم شأن الدماء، وحرَّم قتل النفس المعصومة بغير حقٍّ، قال – جلَّ في عُلاه -: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل)
وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يزال المؤمن في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا )
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ( إن من ورَطَات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حِلِّه )
وحرَّمَت الشريعةُ الإشارةَ إلى مسلمٍ بسلاحٍ أو حديدة، سواءٌ كان جادًّا أو مازِحًا؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال – صلى الله عليه وسلم ( لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزِعُ في يده فيقع في حُفرةٍ من النار )
وفي روايةٍ لمسلم: قال صلى الله عليه وسلم ( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنُه حتى ينزِع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه ).
أيها القارئ الكريم؛ إن القتل بغير حقٍّ جريمةٌ مُزلزِلة، وخطيئةٌ مُروِّعة، سواءٌ كان المقتول من أهل المِلَّة، أم كان من أهل العهد والذِّمَّة؛ فعن البراء بن عازب – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لَزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ )
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ) من قتل مُعاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن رِيحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا(وعند النسائي ( من قتل قتيلاً من أهل الذِّمَّة لم يجِد ريح الجنة(
ومن هذا يظهر بجلاءٍ: أن الاعتداء الذي يستهدَفَ كنيسةً للنصارى يتعبَّدون فيها؛ عملٌ إجراميٌّ، وظلمٌ وعدوان تُحرِّمُه الشريعةُ الإسلاميةُ ولا تُقِرُّه، وهو قتلٌ للنفوس المعصومة المُحرَّمة بغير حقٍّ، وعملٌ إرهابيٌّ يُناقِضُ روح الإسلام ومبادئه التي قامت على العدل ومعاني الرحمة والوفاء بالعهود ونبذ الظلم والبغي والعُدوان. وهو جريمة خسيسة لا يفرق الشرع بينها وبين الاعتداء على مسجد.. إن الإنسان –كل الإنسان- بنيان الله وصنعته، وكل الأديان الإلهية قد أجمعت على لعن من هدم بنيان الله.!
إنَّ هذه الأعمال الإرهابية، التي تستهدِف الآمنين المعصومين، وتزهق أرواح المسلمين الوادعين، مخالفة لشريعة ربّ العالمين، إنه لأمر مؤلمٌ حقًّا، ومؤسِفٌ صِدقًا، يُعجز البيان، ويُرجف الجنان، ويهز البَنان، فيالفظاعة القتل، وياله من هول، دماء تراق، وأجساد للموت تساق، جرائم سطّروها بمدادٍ قاتمة، وعقول هائمة، فأهلكوا أنفساً مسلمة بريئة، وأزهقوا أرواحاً مطمئنة محترمة، لم يرحَم هؤلاء المجرِمون أحداً، لم يراعوا أيَّ قِيَم دينيّة ولا أخلاقية ، ولا عقلٍ ولا إنسانية.. ” وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا “.
فوا عجبًا لهم!! أَقُدَّت قلوبهم من صخر، أم رُميت عقولهم في بحر؟ فأين يذهب أولئك الأشرار من شهادة أن لا إله إلا الله، إذا جاءت تحاجُّهم يوم القيامة ؟! كما في الصحيح من حديث أسامة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ” أقتلتَه بعد أن قال : لا إله إلا الله؟! “، وغضِب عليه الصلاة والسلام واحمرّ وجهُه وهو يقول لأسامة : ” أقتلته بعد أن قال : لا إله إلا الله؟! ” قال : يا رسول الله ، إنما قالها تقيَّةً أي : خوفًا من القتل ، قال : ” أشققتَ عن قلبه ؟ كيف تصنعُ يا أسامة بلا إله إلا الله إذا جاءت تحاجُّك يوم القيامة؟ ” قال رضي الله عنه : فوددتُ أني لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ .
هذا فهمُ الصحابة الأبرارِ ، والسلف الأخيار ، لحرمةِ الدماء المعصومةِ ، وحصانة الأنفس البريئة ، فكيف يفعل أولئك القتلة بدم من قتلوهم يوم القيامة ، قال صلى الله عليه وسلم: ” يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل ، يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟
وعَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُول اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث : الثَّيِّب الزَّانِي ، وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ”
أن أمر الدماء عظيم في الإسلام، مهيب عند رب الأنام، فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ” لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ “وفى رواية الأصبهانى زيادة ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ ، وَأَهْلَ أَرْضِهِ ، اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَدْخَلَهُمُ اللَّهُ النَّارَ “.
إن جرائم القتل من أسوأ المآثم، وأشد المغارم، سواء كانت في حقّ مسلمين أو غير مسلمين ، فهي من الفسادِ، وإهلاك العباد، وتعد لحدود الملك التواب، قال شديد العقاب : {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
رب اجعل هذا البلد آمنا، واحقن دماء شعوبنا، وارفع رايتنا، واجمع على الحق كلمتنا، واكفنا السوء بما شئت وأنى شئت إنك على ما تشاء قدير..

شاهد أيضاً

شاهد..د. سلوى دنيا: الطرق الصحيحة لتربية الأطفال في السن المبكر