الرئيسية / سلايدر / د.البصيلي..رسالة إلى منكري السنة كيف نفهم وكيف نختلف

د.البصيلي..رسالة إلى منكري السنة كيف نفهم وكيف نختلف

السنة النبوية هى المصدر الثانى للتشريع الإسلامى ولا غنى للمسلمين عنها أبداً ، ولذا قام علماء الأمة المحمدية على مدار التاريخ الإسلامى وإلى وقت الناس هذا بخدمتها من كافة الوجوه، وما من أمر يتعلق بها إلا وكان له عند علماء المسلمين غاية الاهتمام والدراسة ، بل والبحث الدقيق المستوعب للمسألة غاية الاستيعاب ، وذلك لأن سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هى الوحى الثانى الذى أوحاه الله تعالى إلى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولولاها ما استطعنا أن نفهم القرآن الكريم ، بل ما استطعنا أن نتعبد لله تعالى بشيءٍ من العبادات.. كيف لا وهى كلام المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم الذى قال له ربه : { وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [سورة النحل : 44].
وقد قرن الله تعالى طاعته بطاعته فقال : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ } [سورة النساء : 80].
وأشار إلى أن البيعة لرسوله الكريم كالبيعة له تعالى فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [سورة الفتح : 10].
وأن عزته ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عزته تعالى فقال : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [سورة المنافقون : 8] وأن من استجاب لأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كمن استجاب لأمره تعالى فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 24].
وجعل الجهة بينه وبين رسوله واحدة دون انفكاكٍ فقال : (وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) [سورة التوبة : 74]. ولم يقل : من فضلهما .
وقال : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ } [سورة التوبة : 59]. فقال : (من فضله ورسوله).
وأفردت طاعته فقط –نظرا لاتحاد الجهة بين المَصدَر وهو الله، وبين المَظهَر وهو رسول الله- فقال الله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة النور : 56].
وجعل الاهتداء بهديه هو تمام الهداية فقال : {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [سورة الشورى : 52، 53].
والمعلوم لدى العلماء كافة أن السنة الشريفة قد انفردت استقلالا بالحكم فى أشياء لم تأت فى كتاب الله تعالى ، وأن الحكم فيها أن ما حرَّمه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو عين ما حرمه رب العالمين ـ جل وعلا ـ ويبين ذلك ما رواه البخاري، عَنْ ابن مسعود قَالَ: ” لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ” فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَأَتَتْهُ، فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، مَا وَجَدْتُ مَا قُلْتَ قَالَ: مَا وَجَدْتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. فَقَالَتْ: إِنِّي لَأُرَاهُ فِي بَعْضِ أَهْلِكَ؟ قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي، قَالَ: فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: ” لَوْ كَانَ لَهَا مَا جَامَعْنَاهَا “. أى ما اجتمعنا بها فى حديثنا كما جاء مفسَّراً عند ابن حبان : (أَمَا إِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَا صَحِبْنَنِي).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ 🙁 لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ). (رواه البخاري).، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها مما انفردت به السنة الشريفة ، ولم يرد فى القرآن الكريم .
ومثله ما صح عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. (رواه البخاري). فثبتت حرمة لحومها بالسنة الشريفة ، وكذا كل ذى ناب من السباع كما عند البخاري فى حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. ومن رواية ابن عباس في صحيح مسلم، زاد : (وعن كل ذي مخلب من الطير).
وما حرَّم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة أنواع البيوع، وكله قد ثبت فى السنة الشريفة، ولم يثبت فى القرآن الكريم ما يفسر لنا خطر وأثر الاحتكار أو الغش ، أو الغبن ، أو الجهالة، أو غيرها من البيوع المحرمة ، وكل ذلك يدلك على فساد قول من قال : نستغنى بالقرآن عن السنة، ولا حاجة للسنة وبيننا كتاب الله تعالى .
يروي أبو داود وأحمد عَنْ ـ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، ألا وإن ما حرم رسول الله هو ما حرم الله، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ”.
وأما ما رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ وَإِنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ أَنَا، وَكَيْفَ أُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، وَبِهِ هَدَانِي اللَّهُ»، فقد قال ابن عبدالبر ـ رحمه الله ـ وغيره، عن هذا الحديث وما يشبهه : (وهذه الألفاظ لا تصح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ …، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم فقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله عز وجل وجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا نقبل من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلاَّ ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال).
وذكر ابن عبدالبر بسنده إلى عمران بن حصين ، ” أنه قال لرجل : إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً، لا تجهر فيها بالقراءة ، ثم عدَّد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال : أتجد هذا في كتاب الله مفسَّراً، إن كتاب الله أبهم هذا ، وإنَّ السنة تفسر ذلك “.
إنَّ السنة النبوية جاءت لتفسر لنا قول الله تعالى : {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة البقرة : 43].
فمن الذى أخبرنا بعدد الركعات المتفاوت بين الصلوات ؟ ومن الذى أخبرنا بالركوع والسجود والهيئات؟ ومن الذى علمنا ما يتلى من الآيات ويُدعى من الدعوات ؟ وقل مثله فى الصيام والحج وسائر الطاعات .
وكل هذا يدل على مكانة السنة الشريفة والوقوف أمام الكلام النبوى الشريف بالاحترام والتقدير والتبجيل ويصحب ذلك الإذعان والخضوع والتسليم للكلام النبوى الشريف .
ولما لم يجدوا بُدَّاً من الهجوم على سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وعلموا أن السنة لا نستطيع أن نلغيها من حياة المسلمين ، قالوا : نشككهم فيها على الأقل حتى نحدث الريب فى قلوب المسلمين ،فوقفوا عند ظواهر بعض الأحاديث مستنكرين لها مكذبين لرواتها ، متهمين فى ذلك أشهر علماء الزمان ، ولم يقدروا لأهل العلم قدرهم ولم يحفظوا مقامهم فشنَّعوا عليهم ورموهم بثالثة الأثافي والأباطيل وهم منها براء.
فقلنا لهم إن الأمة المحمدية بعلمائها وأئمتها اعتمدت هذه الأحاديث ، وأنها قد ثبتت بطريق العدل الضابط عن العدل الضابط من أول السند إلى منتهاه ، قالوا : وهذا أيضاً مطعون فيه ، فأى سند تتكلمون عنه ؟
فقلنا لهم إن السنة النبوية قد توفر فيها عامل التواتر من حيث قبول الكافة عن الكافة وتداول كتب الأئمة كالبخارى ومسلم (وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقِّي وحده أقوى في إفادة العِلْم مِن مجردِ كثرةِ الطرق القاصرة عن التواتر)، لم يقنعوا بما جاء من السنة عن طريق أعلام الإسلام وحفاظه كابراً عن كابر ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً .
ولقد عدَّ العلماءُ من يشرح ويفسر الكلام النبوى بلا منهجية علمية وفهمٍ واعٍ ؛ فيتقول على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المعانى والأحكام التى لم يُرِدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كاذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويلحقه الوعيد الشديد الذى قال فيه: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). (رواه البخاري).
ويعجبنى القول الماتع للحافظ السيوطى : (السكوت على من لا يعلم فرض … والسؤال على من لم يعلم فرض)، وأجدني أتمثل بمقولة أبي حامد الغزالي: “لو سكت من لا يعلم لارتفع الخلاف”. أي: لذهب.
فلو أنهم سألوا أهل الاختصاص لمَا ساقتهم أنفسهم إلى هذه الدائرة الخطيرة.
ولو أنهم سكتوا وقالوا لا علم لنا لكان خيراً لهم لو كانوا يعلمون .

شاهد أيضاً

شاهد الشيخ مختار الأزهري..حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر