الرئيسية / أعلام التصوف / الإمام “السكندري”..الجامع بين الفقه والتصوف

الإمام “السكندري”..الجامع بين الفقه والتصوف

هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عيسى بن عطاء الله السكندري، أحد فقهاء المالكية، وواحد من علماء التصوف السني من أتباع الطريقة الشاذلية التي أسسها الإمام أبو الحسن الشاذلي وخَلِيفتُه أبو العبَاس المرسي؛ جاء أجداده، الذين يعود نسبهم إلى قبيلة جذام إلى مصر بعد الفتح الإسلامي، واستوطنوا الإسكندرية، حيث ولد ابن عطَاء الله، ونَشأ كجدهِ لوَالده الّشيخ أبى مُحمد عبد الْكريم بن عطَاء الله، والذي كان فَقيهًا يَشتغلُ بالعُلومِ الشَرعية، حيث تلقى منذ صباه العَلوم الدينية والشرعية المختلفة واللغوية حتى صار فقيهًا مالكيًا مشهودًا له، وكان في الفترة الأولى من حيَاتِه ينُكر على الصوفية إنكارا شَديدًا، حيث كان مُتعصبًا منه لعلومِ الفقهَاءِ؛ وكان يقول “من قال أن هنالك علمًا غير الذي بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل”، ولكن بعد أن سلك على يد أهل الصوفية وعرف مقامهم قال”كنت أضحك على نفسي في هذا الكلام”.

جاءت نقطة التحول في حياة ابن عطاء الله عندما صحب الإمام أبو العباس المرسي، واستمع إليه بالإسكندرية حتى أعجب به إعجَابًا شديدًا، وأخذ عنه طريق الصوفية وأصبح من أوَائل مُريديه، وتَدرج ابن عطَاء في منَازلِ الْعلم والمَعرفةِ حتى تَنبأ له أستاذه أبو العبَاس يومًا فقَال له “إلزم، فو الله لئن لزمت لتكونن مُفتيًا في الْمذهبين”، قاصدًا بهذا القول مَذهب أهل الحَقيقة، المذهب الفقهي، وأهل العلم البَاطن وهي العلوم الصوفية والحكم.

وصف ابن عطاء الله رحلته في كتابه لطائف المنن، حيث قال “جرت بيني وبين أحد أصحاب سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه قبل صحبتي له وقلت لذلك الرجل: ليس إلا أهل العلم الظاهر وهؤلاء القوم يدّعون أمورًا عظيمة وظاهر الشرع يأباها، وسبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت تلك الخصومة: دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارات؛ فأتيته فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فأذهب الله ما كان عندي” فلازم المرسي وأصبح من خواص أصحابه، ولازمه اثني عشر عامًا.

كان ابن عطاء الله مُتكلمًا على طريق أهل التصوف، واعظًا انتفع به خلق كثير وسلكوا طريقه، وقال له مرة شيخه أبو العباس المرسي “والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعيًا إلى الله وموصلًا إلى الله، والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك شأن عظيم، والله ليكونن لك كذا وكذا، فكان كما أخبر”؛ وكان إذا جلس للنصح والوعظ والتوجيه، أخذ حديثه بمجامع القلوب، وسرى من كلامه تأثير شديد إلى النفوس، وقد شهد له بذلك أقرانه الذين كانوا في عصره، والعلماء الذين جاءوا من بعدهم، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم؛ ووصفه الإمام ابن حجر في كتابه الدرر الكامنة “صحب الشيخ أبا العباس المرسي، صاحب الشاذلي، وصنف مناقبه ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه”، وقال الإمام الذهبي “كانت له جلالة عظيمة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، وكان يتكلم بالجامع الأزهر بكلام يروّح النفوس”؛ كما يُحكى عنه أن رجلًا من تلامذته ذهب إلى الحج، فرأى الشيخ في المطاف وخلف المقام وفي المسعى وفي عرفة؛ فلما رجع سأل عن الشيخ هل خرج من البلد في غيبته في الحج فقالوا لا، فدخل وسلم على الشيخ فقال له ابن عطاء الله “من رأيت في الحج في سفرتك هذه من الرجال، فقال الرجل يا سيدي رأيتك، فتبسم وقال: الرجل الكبير يملأ الكون”.

ترك ابن عطاء الله الكثير من الكتب والمصنفات كان أشهرها “الحكم العطائية”، وهو مجموعة من الحكم والنصائع البليغة التي تنم عن فهم وفتح من الله في فهم الدنيا وتعمق في الدين، وكلها مستخلصة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ ولاقت قبولًا وانتشارًا كبيرًا، ولا يزال بعضها يُدّرس في بعض كُليات جامعة الأزهر، كما تَرجم المستشرق الانجليزى آرثر أربري الكثير منها إلى الإنجليزية، وترجم الإسباني ميجيل بلاسيوس فقرات كثيرة منها مع شرح الرندي عليها؛ كذلك كتب أعمال أخرى منها “لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد، التنوير في إسقاط التدبير، أصول مقدمات الوصول، الطريق الجادة في نيل السعادة، تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس، مفتاح الفلاح مصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح، وعنوان التوفيق في آداب الطريق”، والذي شرح فيه قصيدة الشيخ أبو مدين “ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا”.
توفي الإمام ابن عطاء الله السكندري بالمدرسة المنصورية في القاهرة عام 709 هجرية، ودفن بمقبرة المقطم بسفح الجبل بزاويتهالتي كان يتعبد فيها، ولا يزال قَبره مَوجودًا إلى الآن بجبانة سيدي على أبو الوفاء تحت جبل المُقطمِ، ومسجده بجوار قبره.

شاهد أيضاً

من احتفال الساحة بمولد الشيخ حسن عمران الدح..”البردة” للمنشد حسن البنا