الخميس , سبتمبر 23 2021
الرئيسية / شبهات وردود / د.البصيلي يكتب..سماحة الإسلام حصانةٌ للمجتمعات

د.البصيلي يكتب..سماحة الإسلام حصانةٌ للمجتمعات

إذا كان دين الإسلام هو دين السماحة؛ فإن هذه السماحة تتنافى مع مبدأ الغلو، وتأمل فى قوله تعالى لسيدنا موسى وسيدنا هارون (إذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا)، فإذا كان هذا فى شأن من قال (أنا ربكم الأعلى) فكيف يكون تعاملنا وخطابنا مع من قال (سبحان ربي الأعلى)؟!
إن شريعة الإسلام ليست دموية ولا إرهابية .. إنها سماحة للبشرية ورحمة للإنسانية .
وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو المثل في الأخذ بالأعلى من الأمر المشروع والعبادة العظيمة مع ما كان له من خصائص لم يشاركه فيها غيره من الصحابة ، ونبههم على ذلك أنه ليس كمثلهم ، وأمرهم أن لا يفعلوا مثل فعله ما هو من خصائصه – عليه الصلاة والسلام – كما في قصة النفر الثلاثة الذين رأوا أن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم قليلة قالوا: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فبين سوء فهمهم ، وقال : ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ) عندما قال أحدهم : أما أنا فأصلي ولا أنام ، وقال الثاني: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج، وقال الثالث : أما أن فأصوم ولا أفطر ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( أما أنا فأصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)
والغلو له نوعان كبيران، الأول: غلو اعتقادي، وهو أن تعتقد أن الجزء كل وتتعامل معه على هذه الطريقة. فالقلب له حاجة، والعقل له حاجة، والجسم له حاجة، ما الغلو؟ أن تعتقد أن الإنسان عقل ليس غير، تغذي العقل، وتهمل القلب.
وغلو آخر، أن تعتقد أن الإنسان قلب ليس غير، تغذي هذا القلب، وغلو ثالث أن تعتقد أن الإنسان جسم يحتاج إلى المتع الحسية، فالغرب وقعوا في غلو المادة ونحن بين غلوين؛ غلو يجعل العقل فوق النص، وغلو يجعل النص في خدمة القلب ليس غير، الصواب الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، إن لبيت حاجات العقل والقلب والجسم معاً تفوقت، وإذا لبيت واحدة تطرفت، وفرق كبير بين التفوق والتطرف.
والنوع الثانى من الغلو: غلو عملي، فحينما يقع الإنسان فريسة وساوسه المتسلطة، فيظن أنه بمفرده يستطيع أن يرفع المعاناة عن الأمة كلها بعمل غير مشروع في منهج الله، فهذا غلو وأي غلو، وحينما يتجاوز العبد في عبادته الحد الذي شرَّعه الله فيهمل عمله، ويهمل أسرته، وبهذا يختل توازنه، ولا يحقق الهدف الأمثل من تدينه، فهذا غلو وأي غلو.
قال العلماء: الغلو الاعتقادي أخطر أنواع الغلو، لأن صاحبه لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، وهذا ما يعبر عنه بالجهل المركب.
وأسباب الغلو كثيرة، من أبرزها الجهل، فنحن في أحاديثنا نقول دائماً: أعداء المسلمين الاستعمار والصهيونية، وفى الحقيقة هناك عدو أخطر، هو الجهل، لأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
ولعل الجهل أسهلُ أسبابِ الغلو معالجةً، ولاسيما إذا كان المغالي بريئاً من الهوى، والنزعات الشريرة، فالجهل يزول بالعلم، ففي عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ناظر الخوارج وحاورهم، فرجع منهم ما يزيد عن ألفي إنسان في مجلس واحد، فعليك بالحوار، لا تكفر بل حاور، لا تُقيّم بل خذ بيده إلى الله.
ومن أسباب الغلو أيضاً: الهوى الذي يجر صاحبه إلى التعسف في التأويل، وردّ النصوص الصحيحة، وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من طلب الرئاسة، أو الشهرة، أو نحوهما، وقد يكون المغالي بعيداً عن هذه المطالب، ولكن الانحراف سبق إلى عقله وقلبه واستقر فيهما، وتعمَّق جذوره، وترسخت أصوله، وكما قيل :
أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى *** فصادف قلباً فارغاً فتمكَّنا
عندئذ يَعِزُّ على المغالي أن يتخلى عن غلوه، وأن يقرَّ على نفسه أنه كان متحمساً للباطل، مناوئاً للحق، عندئذ يتشبث بباطله، ويلتمس له الأدلة الضعيفة الواهية من هنا وهناك، لذلك قيل: تعلَّموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلموا.
وقد يكون الهوى بسبب نفسية مريضة، معتلَّة، منحرفة، تميل إلى الحدة، والعنف، والعسف في آرائها ومواقفها، وتنظر دائماً إلى الجانب السلبي والمظلم للآخرين، وقد يتصف صاحبها بالعلو والفوقية، من دون أن يشعر بذلك، فضلاً عن أن يعترف بهذا، فإذا التقى الأشخاص أو قرأ كتبهم، فيبحث عن نقاط ضعفهم، مغفلاً النواحي الإيجابية التي يتمتعون بها، وعندئذ تتبخَّر ثقته بالعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، و يبتعد عنهم، ويستقل بنفسه ورأيه، فينتج عن هذا الشذوذ في الآراء والمواقف والتصورات، غلو وأي غلو!.
ولا سبيل إلى القضاء على الغلو الحقيقي في الدين، إلا بتمكين العلماء الربانيين، العاملين، المخلصين، من القيام بواجبهم في الدعوة إلى الله، وَفقَ أُسس صحيحة متوازنة، ومن خلال رؤية مؤسسية واضحة صافية لحقيقة الدين الحنيف، وبأساليب نابعة من الكتاب والسنّة.
يقول الإمام علي رضي الله عنه: “الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم”.
روى الشيخان في صحيحيهما صفة جامعة من جوامع كلم المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في وصف أهل الغلو، عندما جاءت القسمة المشهورة وجاء الاعتراض من أحد الغلاة – على روايات مختلفة – عندما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، وفي رواية: لم تعدل، فقال عليه الصلاة والسلام: (من يعدل إن لم أعدل ؟!) ثم وصف ذلك الرجل قال: ( يخرج من ظِئْرِ هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان ).
ومن هنا قال أهل العلم: ” إن السمة الجامعة لكثير من فروع الغلو ترجع إلى هذين الأمرين: الجهل بالقرآن والشرع، كما قال في هذا الحديث ( يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم) ” قال النووي رحمه الله: ” ليس يصل إلى قلوبهم – أي القرآن – لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب ” ، وهذا لا يحصل منهم والجهل هو الباب الأعظم والأكبر للوصول أو للدخول إلى هذه المزالق الخطيرة ، ويترتب عليه ما يترتب عليه ، وقد قال عنهم ابن عمر رضي الله عنهما ( انطقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين )، لم يفقهوا أسباب النزول ، لم يفقهوا مقاصد الألفاظ ودلالاتها ومعانيها لم يفهما بقية النصوص الشرعية التي تكمل بها الصورة.
السمة الثانية: وهي التكفير للمسلمين وبالتالي استحلال دمائهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ).
فنرجوا الله أن يعيننا على تطهير مجتمعاتنا من أفكار وأفعال هؤلاء، واللهُ يقول الحق وهو يهدي السبيل.

د.أحمد البصيلي

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..بر الوالدين طريق التوفيق وملاذ الأمان في الدنيا والآخرة

  إن الإسلام جعل حق الوالدين بعد حق الله مباشرة، كما جعل “عقوق الوالدين” أكبر …