الجمعة , يناير 22 2021
الرئيسية / سلايدر / كيف تشترط على نفسك لتكفها عن المعاصي؟

كيف تشترط على نفسك لتكفها عن المعاصي؟

اعلم أن التاجر كما يستعين بشريكه في التجارة طلبًا للربح، ويشارطه ويحاسبه، كذلك العقل يحتاج إلى مشاركة النفس، ويوظف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ثم لا يغفل عن مراقبتها، فإنه لا يأمن خيانتها وتضييعها رأس المال ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه التجارة ربحها الفردوس الأعلى .

فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم من تدقيقه بكثير من أرباح الدنيا. فحتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها .

فإذا فرغ العبد من فريضة الصبح، ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة نفسه فيقول للنفس : مالي بضاعة إلا العمر العمر، فإذا فني مني رأس المال وقع اليأس من التجارة، وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأخر أجلي، وأنعم علي به. ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا حتى أعمل صالحا، فاحسبي يا نفس أنك قد توفيت ثم رددت، فإياك إياك أن تُضيعي هذا اليوم، واعلمي أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وأن العبد يُنشر له بكل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزائنة، فيراها مملوءة نورًا من حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيحصل له من السرور بمشاهدة تلك الأنوار ما لو وزع على أهل النار لأدهشتهم عن الإحساس بألم النار، ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح ريحها ويغشاه ظلامها، وهي الساعة التي عصى الله فيها، فيحصل له من الفزع والخزي ما لو قُسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمهم، ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسوؤه ولا يسره، وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من المباح، ويتحسر على خلوها، وينالها ما نال القادر على الربح الكثير إذا أهمله حتى فاته، وعلى هذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه : اجتهدي اليوم في أن تعمري خزانتك، ولا تدعيها فارغة، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة، فيفوتك من درجات عليين يدركه غيرك .

قال بعضهم : هب أن المسيء قد عفي عنه، أليس قد فاته ثواب المحسنين ؟ فهذه وصيته في نفسه في أوقاته، ثم يستأنف لها وصية أخرى في أعضائه السبعة، وهي : العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، وتسليمها إلى النفس، فإنها رعايا خادمة لها في هذه التجارة المخلدة، بها يتم أعمالها، ويعلمها أن أبواب جهنم سبعة على عدد هذه الأعضاء فتعين تلك الأبواب لمن عصى الله تعالى بهذه الأعضاء فيوصيها بحفظها عن معاصيها .

أما العين فيحفظها عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، أو إلى مسلم بعين الاحتقار وعن كل فضول مستغنىً عنه، ويشغلها بما فيها تجارتها وربحها، وهو النظر إلى ما خلقت له من عجائب صنع الله تعالى بعين الاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومطالعة كتب الحكم للاتعاظ والاستفادة .

وهكذا ينبغي أن يتقدم إلى كل عضو بالوصية بما يليق به، ولا سيما اللسان والبطن وقد ذكرنا آفات اللسان فيما تقدم، فيشغله بما خلق له، من الذكر والتذكير، وتكرار العلم والتعليم، وإرشاد عباد الله تعالى إلى طريق الله، وإصلاح ذات البين، إلى غير ذلك من الخير .

وأما البطن، فيكلفه ترك الشره، واجتناب الشبهات والشهوات، ويقتصر على قدر الضرورة، ويشترط على نفسه إن خالفت شيئًا من ذلك أن يعاقبها بالمنع من شهوات البطن، ليفوتها أكثر مما نالت بشهوتها، وهكذا في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول، وكذا ما تخفي طاعات الأعضاء ومعاصيها .

ثم يستأنف وصيتها في وظائف العبادات التي تتكرر في اليوم والليلة، في النوافل التي يقدر عليها، وعلى الاستكثار منها، وهذه شروط يفتقر إليها كل يوم إلى أن تتعود النفس ذلك، فيستغني عن المشارطة، ولكن لا يخلو كل يوم من حادثة لها حكم جديد لله تعالى عليه في ذلك حق، ويكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدنيا، من ولاية أو تجارة أو نحو ذلك، إذ قل أن يخلو يوم عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها؛ فعليه أن يشرط على نفسه الاستقامة فيها، والانقياد للحق .

وعن شداد بن أوس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» (رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وأحمد) ! .

وقال عمر رضى الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر، ” يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ” [الحاقة: 18] .

شاهد أيضاً

من تراث الساحة..الشيخ إسماعيل صادق العدوي: ما هي حقيقة الرضا؟