السبت , سبتمبر 25 2021
الرئيسية / مكتبة الساحة / د.البصيلي يكتب..فنّ إدارة الوقت واستثمارُه

د.البصيلي يكتب..فنّ إدارة الوقت واستثمارُه

إدراك الإنسان لقيمة وقته ليس إلا إدراكًا لوجوده وإنسانيته ووظيفته في هذه الحياة الدنيا، وهذا لا يتحقق إلا باستشعاره للغاية التي من أجلها خلــقه الله عــز وجل وإدراكه لها. فالوقت أغلى ما يملكه الإنسان، فهو كنزه، ورأس ماله الحقيقي في هذه الدنيا، ذلك أنه وعاء العمل وغلاف العبادة ومقوّم أساسي من مقومات التكليف.
إننا جميعًا متساوون مِن حيثُ كميةُ الوقت المتاح في اليوم؛ لكننا نختلف في كيفية إدارته واستثماره، وهنا يبرز الناجح والفاشل، فالوقت لا يمكن ادِّخارُه للمستقبل، ولا يمكن تعويض ما مضى منه.
وما وجدت تعريفاً جامعاً مانعاً للإنسان كهذا التعريف “الضوئي”: هو بضعة أيام، كما يقول الحسن البصري رضي الله عنه: “يابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضك”، وجاء عن ابن عباس قوله: “ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فيَّ خيرًا فليعمله، فإني غير مكرر عليكم أبدًا”. نعم؛ فكل يوم يمر على الإنسان إنما يقربه من القبر ويباعده عن الدنيا، وكل ساعة يقضيها الإنسان إما في كفة الحسنات أو السيئات أو لغو لا طائل منه في العاجل والآجل. فكلما انقضى يوم انقضى جزء منك، هذه هي “الحقيقة المرة” وبالطبع هي أفضل ألف مرة من “الوهم المريح”. فما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
نعم.. الوقت أثمن من المال، وهذه حقيقة فطرية يؤمن بها البشر كافة على اختلاف الديانات والثقافات.. فلو أن إنسانا أصابه – لاسمح الله – مرض عضال وقيل له إن تكاليف علاجك باهظة وقد تضطر إلى بيع كل ما تملك حتى بيتك من أجل إجراء الفحوصات والجراحات اللازمة.. بالطبع لن يتردد المريض في إنفاق كل ماله وبيع بيته لأنه مركب في أعماق أعماقه أن الوقت أثمن من المال، لذلك ضحى بالمال من أجل الوقت حتى يعيش عدة سنوات إضافية – في فهمه – .!
وللوقت في الإسلام منزلة رفيعة، ومكانة سامية؛ إذ أقسم الله عز وجل بالزمن في مختلف أطواره في كتابه العزيز؛ إشعارًا بقيمة الزمن، وتنبيهًا إلى أهميته؛ فأقسم – سبحانه- بالليل، والنهار، والفجر، والصبح، والشفق، والضحى، والعصر، فقال: “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى”. وقال أيضًا: “وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ”، وقال أيضًا: “وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ”.
ومن المعروف أن الله إذا أقسم بشيء من مخلوقاته ففي ذلك دلالة على أهميته ورفعة شأنه ولفت الأنظار إليه.
و الإنسان إذا رُزِقَ التوفيقَ في إنفاقِ وقتهِ يستطيعُ أنْ يُطيلَ عمرَه إلى ما شاء الله بعد موته ، فيحيا وهو ميت، ويؤدّي رسالتَه وهو تحت التراب ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :”إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”. فكيف إنْ لم يكن له عملٌ أصلاً، ووافتْه المنيّة؟!ُ .
وفي حديثٍ آخرَ تضمّنَ تفصيلاتٍ لهذه الثلاث، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”إنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ”.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ” مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ”.
يقول ابن عطاء الله السكندري: رُبَّ عُمُرٍ اتَّسعت آمادُه، وقلَّتْ أمدادُه، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آمادُه، كثيرةٌ أمدادُه، ومَنْ بوركَ له في عُمرِه أدركَ في يسيرٍ مِنَ الزمنِ مِنَ المِنَنِ ما لا يدخلُ تحتَ دائرةِ العبارةِ ، ولا تلحقُه وَمْضَةُ الإشارةِ .
الوقتُ في حياةِ المسلمِ عبادةٌ ممتدَّةٌ، واستثماره عبادة نفيسة. يقول الحسنِ البصري رحمه الله تعالى: “أدركتُ أقواماً كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره”. فالوقتَ عندَ المسلمِ أغلى مِنَ المالِ، ذلك أنّ المسلمَ يُدرك أنّ المالَ يمكنُ تعويضُه، بينما الوقتُ لا يمكن تعويضُه. فالتوفيق ليس في إنفاق الوقت بل في استثماره، فإنفاقه يؤذن باستهلاكه وإتلافه أما استثماره فمؤدٍّ إلى نمائه وبقائه.
للأسف نرى مساحة الجِدّ في أوقاتنا هزيلة قليلة، وتملأ أوقاتنا على المستوى الفردي والجماعي والإعلامي بشقشقات فارغة المضمون لا طائل منها.
إذن علينا أن نعيد جدولة اهتمامات الناس وخاصة الشباب، فبدلا من أن تُشحن عقولهم وتنشغل قلوبهم بسفاسف الأمور، والتسكع في الشوارع، والمعاكسات على النواصي، والإدمان، والتدين المغشوش.. عليهم أن ينظروا إلى أولويات الحياة نظرة اعتبار، لا أقصد بذلك تضييقا عليهم، أو مصادرة لترفيههم، ولكن عليهم أن يجمعوا بين الترفيه والتوجيه، والتسلية والتوعية.. وأن يكون الترويح عن النفس موافقا لتعاليم دينهم، وهوية وطنهم، وعادات أهليهم وتقاليدهم، وعلينا أن نفهم معنى الإدارة الناجحة للوقت والجهد، لتأثيرها على جميع مجالات الانتاج، بدليل أننا نتوجس من اقتناء أي منتج محلي الصنع، لأننا فقدنا الثقة في أنفسنا لما عكسنا هرم الاهتمامات، وتناسينا فقه الأولويات، وضاعت الأوقات فيما لا يفيد، وانشغل الشباب بالفرع دون الأصل، فصاروا شاردين بلا خطة أو غاية .!
وإذا كان إتلاف الأموال يعدّ جنونا وسفهاً (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ )، فكيف يكون إتلاف الوقت والوقت أثمن من المال ؟! لذلك أذكى الأذكياء هو من يحسن إدارة الوقت، فيستفيد من كل وقته؛ ولذا جاء التعبير القرآني: “وَسَارِعُوا”، “سَابِقُوا”، وجاء البيان النبوي: ” بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ”.
وإدارةُ الوقتِ هِي فعلُ ما ينبغي، على الوجهِ الذي ينبغي، في الوقتِ الذي ينبغي. الوقتُ مِن ذَهَبٍ، بل أغلى من الذهب، بل هو لا يُقدَّر بثمن، إنه أنت، ويُعَدُّ الوقتُ أحدَ أربعةِ مواردَ أساسية في مجال الأعمالِ؛ المواد، والمعلومات، والأفراد، ثم الوقتُ الذي يُعدّ أكثرَها أهميةً، لأنه كلما تَحَكّمَ الفردُ في وقتِه بمهارةٍ وإيجابيةٍ استطاعَ أن يستثمرَه في تحقيقِ أقصى عائدٍ ممكنٍ مِنَ المواردِ الأخرى؛ حيث إنّ الفردَ عندما يديرُ وقتَه بشكلٍ فعّالٍ هو في الحقيقة يديرُ نفسَه، وعبادتَه، وعملَه، ودنياهُ بل وأخراه إدارةً فعّالةً .
بل إن سيدنا محمدا  يخبرنا أن كل آدمي سيُسأل يوم القيامة أربعة أسئلة إجبارية، لا مناص من الإجابة عليها، وعلينا أن نجهز الإجابة من الآن (عملا لا قولا)، فيقول  :” لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا صنع فيه”. وفي حثِّه – عليه الصلاة والسلام – على تنظيم الوقت وعدم إضاعته، في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله لرجلٍ وهو يعظه: “اغتنِمْ خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحتَك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتَك قبل موتك”.
وفي قصة نبي الله يوسف – عليه السلام – مع ملك مصر، وتأويل رؤياه، ما فعله يوسف – عليه السلام – في تفسيره لرؤيا الملك، وهو وضع خطة زمنية لكسب الوقت في سنوات الرخاء، بمضاعفة الإنتاج، وتخزينه بأسلوب علمي؛ للاستفادة منه في سنوات الجدب.
ولقد منَّ الله علينا في عصرنا هذا بالأجهزة الحديثة التي وفَّرت الوقت لنا، فزادتْ مسؤوليتنا أمامَ اللهِ عمَّا توفَّر لنا من وقت وجهد.
وكان عليه الصلاة والسلام مِن أَشَدِّ الناسِ حِرْصاً على وقته، وكان لا يَمضي له وقتٌ مِن غير عَمَلٍ لله تعالى ، أو فيما لا بدّ له لصلاحِ نفسه ، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف حالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”كان إذا أَوَى إلى مَنْزله جَزَّأ دُخولَه ثلاثة أجزاء: جُزءا للّه، وجُزءا لأهلْه وجُزءا لنَفْسه، ثم جَزَّأ جُزْءَهُ بَيْنَهُ وبين الناس، فَيردَ ذلك على العامَّة بالخاصَّة”. وفي حديث رائع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ”.
وفي ساعةُ الاحتضارِ، حينَ يودِّع الإنسان الدنيا، ويستقبلُ الآخرة، ويتمنّى لو مُنِحَ مهلةً من الزمن، وأُخِّر إلى أجلٍ قريبٍ، ليُصلِحَ ما أفسدَ، وليتداركَ ما فاتَ، إنه مشهد مؤلم يصوره الله بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
ويأتي الرد الإلهيّ :
﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
فالوقت أغلى ما يملكه الإنسان. وإذا ذهب لا يمكن أن يرجع. ويمضي سريعا. واستثماره يزيد من قيمته. ولا يمكن تغييره أو تحويله. ولا شيء يمكن عمله بدون الوقت. كما أن الوقت لا يمكن تخزينه؛ فهو كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
تزود من التقوى فإنك لا تدري *** اذا جن ليل هل تعيشُ إلى الفجر
فكم من عروس زينوها لزوجها *** وقد قبضت ارواحهم لية القدَر
وكم من صغار يُرتجى طولُ عُمرِهم *** وقد أدخلت أرواحـــهم ظلمـــة القــبر
وكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا *** وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وكم ساكنٍ عند الصباح بقصره *** وعند المساء قد كان من ساكن القبر
فداوم على تقوى الإله فإنها *** أمان من الأهوال في موقف الحشر

أحمد البُصيلي الأزهري

شاهد أيضاً

من الدروس العلمية للساحة.. الشيخ أحمد الشريف ولقاء (مباحث الألفاظ)