الثلاثاء , يونيو 18 2024

الشيخ أحمد ربيع الأزهري يكتب..كيف ننشر ثقافة الوقف؟

الوقف في الإسلام ملمح من ملامح فقه العمرآن والتكافل والتعاون الإسلام ، فإذا كان الله عز وجل قد خلق الإنسان لثلاثة مقاصد كبرى هي العبادة والعمارة والتزكية، وجعله المخلوق المُكرم حيث استخلفه في الأرض وأعطاه من أجل ذلك نعمة التسخير إلا أنه قد أمره بالتعمير وأقام عليه في الأخرة الموازين ، وعليه فقد إنشغل العقل والجسد المسلم بتحقيق هذه المقاصد على خير وجه حيث انشغل في باب العمارة بالغرس والبناء حتى آخر لحظة من عمر الأرض وقيام الساعة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) [رواه البخاري في الأدب المفرد عن أنس بن مالك]، وفي باب التكافل والتراحم مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى)، [أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير] بنقل الناس من مرحلة إ”الكفاف” لى مرحلة “الكفاية” ثم إلى مرحلة “الكفاءة” ، فالزكاة المفروضة تنفق على الأصناف الثامنة المعروفة من الفقراء والمساكين والغارمين وأبناء السبيل ..إلخ وهؤلاء أرباب الكفاف يحتاجون للقمة والشربة والمعونة والكساء والإسعاف السريع، ثم الصدقات الجارية التي تنقل الناس من مرحلة “الكفاف” أي العوز والحاجة إلى مرحلة “الكفاية ” وهي مرحلة الاستغناء عن مد اليد للناس فكما يقال بدلاً من أن تعطيني سمكة علمني الصيد ، وتطبيقه في الهدي النبوي ما روى عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ : ” أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟ ” قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ : ” ائْتِنِي بِهِمَا ” قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ : ” مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ ؟ ” قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ ، قَالَ : ” مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ ” قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ : ” اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ ” فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ : ” اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ” فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ .} فالرسول نقله في هذه الحالة من “الكفاف” إلى مرحلة “الكفاية”، ثم كان (الوقف) والذي تخرج به منفعة شيئ من ملكك إلى ملك الله ، فتترك حقوقك على تلك العين ليتعلق بعد ذلك بها بحق الله ، راغبا في التحبب بها إليه من خلال قضاء حوائج خلقه جل وعلا، فإذا بالمسلمين يقفون أمولاً على دورِ العبادةِ والعلمِ والمستشفيات واليتامى والأرامل .. حتى وصل بهم أن حولوا “الوقف” إلى ملمح من ملامح “الحضارة الإسلامية” حيث أوقفوا أوقافاً على كل ما يُسهل حياةِ الإنسانِ وينقلهُ من “الكفافِ” إلى “الكفايةِ” ثم “الكفاءةِ” ويجبر به خاطره ، فقد ذكر ابن بطوطة في رحلته المشهورة: “مررتُ يومًا ببعض أزقَّة دمشق فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطتْ مِن يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يُسَمُّونها الصَّحن، فتكسّرتْ واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اِجمَع شقفها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إيَّاها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن”. ثم قال ابن بطوطة: “وهذا من أحسن الأعمال؛ فإنّ سيِّدَ الغلام لا بُدَّ له أن يضربه على كسر الصحن، أو ينهره، وهو -أيضًا- ينكسر قلبُه، ويتغيَّر لأجل ذلك؛ فكان هذا الوقفُ جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت همَّته في الخير إلى مثل هذا”. . وهذا الوقف فلسفته في زجه نظري أنه لما إنكسر صحنه إنسكر معه خاطره والإسلام جاء لجبر الخواطر، كما جعلوا وقفا مكن أن يسمى ب وقف (خداع المريض) وهو وقف الإيحاء إلى المريض بالشفاء ، ووظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرِّضين يقفان قريبًا من المريض، بحيث يسمعهما ، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيردُّ عليه الآخر: إن الطبيب يقول: إنه على خير، فهو مرجو البُرء، ولا يوجد في عِلَّته ما يُقلق أو يزعج، وهذا مما يساعد المريض على النهوض من فراشه للأثر النفسي الذي تتركه تلك الكلمات التي سمعها على المريض !، أو يدخل عليه رجل ثم يدخل الثاني في عقبه فيقبل كل منهما على الأخر مهللا وكأنه يقابله مصادفة، فيقول أحدهما للآخر لماذا أنت هنا ؟ فيرد عليه : كنت مريضا منذ أيام وكنت أعالج في هذه الغرفة وجئت للسؤال على أحد الرفقاء، فيقول له: ومما كنت تشكو؟ فيقول له : كنت أشكو من كذا وكذا – وهذا هو التشخيص الدقيق لحال المريض الذي يقفان بجواره ويريدان منه أن يسمعهما- لكن الله أكرمني بطيب ماهر متقن لعمله متمكن من تخصصه ويذكر اسم الطيب المعالج لهذا المريض فإذا بهما يبثان فيه الأمل بأن الشفاء قريب وأن الطيب ماهر فيثق في طبيبه وينفذ تعليماته وترتفع روحه المعنوية مما يسهل شفاءه سريعا، ثم يخرجان ولم يخطابا ذاك المريض ببنت شفه، وإذا كان هذا شأنهم مع الإنسان فمع الحيوان أشد عجبا، فقد أوقفوا أوقافاً للدواب المريضة، وصنعوا أسبلة للبهائم المرتفعة القوائم كالبغال والحمير …إلخ – أعزكم الله – ، فإنهم صنعوا مساقي للقطط والكلاب أقل إرتفاعا لكنها لقربها من الأرض كان تُعكر من حركه سير الدواب بجوارها ، فإذا بهم يقفون أوقافا لتنظيف سقيى الكلاب لأنه لا يجوز أن تُسقى الكلاب ماءاً عكراً في بلاد المسلمين، وكذا كانوا يُلقون الحب على على أسطح الجبال حتى لا يجوع طير في بلاد المسلمين ، ورصدوا حركة هجرة الطيور فكانوا يزرعون الحبوب فإذا حل الطير في أرضهم ألقوا إليهم الحب ، وكان هناك طائر طويل الساقين فكان عند هبوطه قد تكسر قدمه لطولها وحدتها فإذا بالمسلمين يقفون وقفا هدفة علاج هذا الطائر وتجبير كسره وتدريبه – علاج طبيعي – حتى يقوى على الطيرآن فيطلق سراحه، .. وفي الأزهر الشريف كان هناك وأقفاف على طلابة العلم وعلى ميضة الوضوء ومن طرائف الأوقاف التي خصصت للأزهر وقف مخصص ريعه للإنفاق على بغلة شيخ الأزهر… إلى غير ذلك مما يجعلنا نفتخر بهذا الملمح الحضاري لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي العصر الحاضر نجد جامعة “هارفارد” وهي أقدم وأعرق الجامعات الأمريكية على الإطلاق وأحد أقدم جامعات العالم والجامعة الأولى في الترتيب العالمي للجامعات وهي أكثر جامعة في العالم من حيث عدد الخريجين والباحثين الذين حصلوا على جوائز نوبل وغيرها من الجوائز والأوسمة العلمية الأشهر عالميا، نجدها تقيب نهضتها على الأوقاف التي أوقفها الخيرون الذين يدركون بأن الاستثمار في التعليم من خلال الوقف هو استثمار في المستقبل وهو أعظم خير من الممكن أن يقدموه لوطنهم بل وللأنسانية جمعاء، لذلك فإنني أدعو إلى إحياء فكرة الوقف مرة أخرى في مجتمعنا وأدعو أصحاب رؤس الأموال أن يقفوا جزءا من أرباحهم السنوية على أبواب صناعة الخير خاصة التعليم والصحة للقضاء على مثلث الفقر والجهل والمرض، وكما يجب أن ننشغل بنشر ثقافة الوقف ككجزء من صناعة الأمل في المجتمع من خلال عدة إجراءات: أولا: أن تضمن مناهج التعليم موضوعات العطاء الحضاري للوقف ودوره في تنمية المجتمع . ثانيا: إنشاء مركز علمي لدراسات الوقف يهتم بالبحوث العلمية والفقهية المتعلقة بالوقف وكيف يتم تفعيله في عصر الذرة والنانو والثورة العلمية والمعرفية، ووضع البرامج التروجية لنشره كثقافة يجب أن تغزوا المجتمع. ثالثا: إصدار مجلة للوقف تعنى بنشر تاريخ وتطور فكرة الوقف وعرض النماذج والتجارب الناجحة في هذا الشأن ونشر المقالات والتعريف بالدراسات المهتمة بالوقف . رابعا: أن يعلن عن إنشاء صندوق مالي للوقف على البحث العلمي ولتكن البداية بمبادرة لجمع 100مليار كمرحلة أولى لهذا الصندوق وأن يُربط هذا الصندوق بحركة الصناعة في المجتمع مما يجعل أصحاب رؤوس الأموال يشاركون فيه ما دام عائده البحثي يعود عليهم في تطوير صناعتهم. خامسا: التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية التي تجعل من الأوقاف جزء مهم في تمويلها . سادسا: عقد مسابقات لطلاب المدارس عن تعريف الوقف وأغرب الأوقاف وأطرف الأوقاف وأشهر الأوقاف ..إلخ مما يجعلهم يبحثون عن معلومات في هذا الشأن مما يسهم في نشر التعريف بالوقف ونشره في المجتمع. سابعا: أقترح إنشاء متحف للتعريف بالوقف وعرض نماذج مجسمة وبانورما تليفزيونية للتعريف بالوقف وأشهر الأوقاف التي تذخر بها الأوقاف المصرية ونشر وثائق الأوقاف على الناس ليتعرفوا على الأنفاس الطاهرة من البشر التي أدركت قيمة الوقف في خدمة المجتمع وقضاء حوائج الناس. ثامنا: أن تهتم الجمعيات الأهلية بفكرة الوقف لديمومة عطائها ، وأن تقسم الجمعيات إلى مجموعات ذات تخصص مشترك فيتم التعاون بين كل مجموعة متشابهة في نشاطها لعمل وقف يشاركون فيه جميعا ويُخدم عليهم جميعاً وإيجاد صيغ قانونية لتنفيذ ذلك. تاسعا: توجد نماذج من بعض رجال الأعمال وصناع الخير موجودة بالفعل يمكن عقد حلقات نقاشية لعرض تجاربهم وكيفية تعميميها والاستفادة منها وتنشر مخرجات هذه الورش على كل الوسائل الإعلامية التقليدي منها والإلكتروني. عاشرا: يجب أن تنهض المؤسسة الدينية ببيان أهمية الوقف والتحذير من الاعتداء على حرمة الوقف ، وأن الوقف هو ملك لله فلا يستهين أحد بملك الله ، خاصة بأن البعض قد يتعدي على الأوقاف ظنا منه أنها ليس لها صاحب، وأنه مال مستباح. الحادي عشر: التقدم بمشروع قانون لتغليظ العقوبة على من يعتدي على الأوقاف فهي حقوق لله وحقوق الله يجب أولى بالصيانة والحفظ والرعاية، فيعد من الظروف المشددة للعقوبة في جريمة السرقة مثلا أن يكون المسروق موقوفا لله . وفي ختام مقالي هذا أجدني أقف مشدوها أما الحديث النبوي الكريم (إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثَةِ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ” [رواه البخاري في الأدب، ومسلم في الصحيح واللفظ له، والثلاثة :أبو داود، الترمذي، النسائي] فهذا الحديث له تفسير دقيق – إنفتح لي – نحتاجه في سياقنا هذا فقوله صلى الله عليه وسلم : ” صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ” تعنى أنها ليست زكاة الفريضة بل هي صدقة زائدة تنبع من نفس مشبعة بالخير والإحساس بالمسئولية عن الأخرين وهو ما يمكن أن نطلق عليه بلغة عصرنا ب (المسئولية الإجتماعية) لأصحاب رؤوس الأموال، وقوله صلى الله عليه وسلم: “أوعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ” دعوة للاستثمار في العلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : “أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ “فالولد كل ما يولد ذكر كان أو أنثى من صلبك أو من غير صلبك وعليه فهو دعوة للاستثمار في البشر حتى ولو لم يكن ولدك فهذا عمل يبقى لك ولا ينقطع ، وعليه فالمسئولية المجتمعية لأصحاب رؤوس الأموال والاستثمار في التعليم والبشر هما سبيلنا للبقاء والخلود ويا حبذا لو جعلنا صناعة الوقف طريقنا إلى هذا الصدد. وأخيرا نقول ليتنا ندرك مثل هذه المعاني ونصنع جسر من تشابك الأيادي وإتحاد العقول والأجساد لنرسم لأمتنا رؤية حقيقية لنقلها من لحظة التوقف الحضاري إلى الاستئناف الحضاري ثم الريادة الحضارية.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من الدروس اللغوية بالساحة.. د. محمود الهواري ومراجعة على (المبتدأ و الخبر) من كتاب (قطر الندى)