السبت , فبراير 4 2023
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..كارثة زنا المحارم بين تجريم الطبائع وتحريم الشرائع

د. أحمد البصيلي يكتب..كارثة زنا المحارم بين تجريم الطبائع وتحريم الشرائع

 

إن نكاح المحارم – عزيزي القارئ – محرم شرعاً ومقبّح طبعاً ومجرّم عُرفا، ولم يُبَح في شريعة من الشرائع، ولا حضارة من الحضارات السوية؛ إلا ما كان في عهد آدم، وسببه عدم وجود نساء غير محارم فأبيح نكاح الأخوات ما لم يكن توائم..

وإن الزنا بذوات المحارم أعظم إثما وأقبح جرما من الزنا بغير المحارم ، لما فيه من القطيعة والأذى والاعتداء على الرحم المأمور بصلتها ، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الزاني بالمحارم يُقتَل مطلقا ، سواء كان محصنا أو غير محصن ، وهي رواية عن أحمد بن حنبل رحمه الله.

يقول ابن القيم رحمه الله عن وطء المحارم: “فإن النفرة الطبيعية عنه كاملة، مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين وهو “القتل بكل حال” محصنا كان أو غير محصن ، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث . وقد روى أبو داود من حديث البراء بن عازب قال : لقيت عمى ومعه الراية فقلت له : إلى أين تريد؟ قال بعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله.

وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من وقع على ذات محرم فاقتلوه).

هذا؛ وقد جاء في “الموسوعة الفقهية” (24/20) : “يتفاوت إثم الزنا ويعظم جرمه بحسب موارده. فالزنا بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنا بأجنبية أو من لا زوج لها , إذ فيه انتهاك حرمة الزوج , وإفساد فراشه , وتعليق نسب عليه لم يكن منه , وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل والأجنبية. فإن كان زوجها جارا انضم له سوء الجوار. وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى , وذلك من أعظم البوائق , فلو كان الجار أخا أو قريبا من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالعبادة , وطلب العلم , والجهاد , تضاعف الإثم ، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة , فيأخذ من عمله ما شاء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم , وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم , إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء ، فما ظنكم ؟ ) رواه مسلم (1897) . أي : ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ قد حكم في أنه يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة , فإن اتفق أن تكون المرأة رحما له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها , فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم , فإن كان شيخا كان أعظم إثما وعقوبة , فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام , أو بلد حرام , أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم”. فما بالنا بالمحارم ذوات الأرحام؟!!

ومَن ابتُلي بشيء من ذلك فليبادر بالتوبة إلى الله تعالى ، فإن التوبة تصح من كل ذنب مهما كان عظيما ، قال تعالى : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) التوبة/104 .

وقال سبحانه : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/68- 70. وقال تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) طه/82، وفي هذه الآية إرشاد إلى أن التائب ينبغي له أن يكثر من الأعمال الصالحة ، وأن يسلك طريق الهداية ، ويبتعد عن أسباب الغواية .

والحق المطلق أن الزنا بالمحارم من أفحش الزنا وأقبحه لما فيه من انتهاكٍ لحرمات الله، يقول الله سبحانه وتعالى:( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) سورة الإسراء الآية 32. قال الشيخ ابن حجر المكي الهيتمي:[وأعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم].

وقد نص أهل العلم على تفاوت إثم الزنا كما هو الحال فيمن يزني بزوجة جاره وكذا من يزني بإحدى محارمه، ويدل عليه ما ورد في الحديث عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرَّمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. فقال ما تقولون في السرقة ؟ قالوا حرَّمها الله ورسوله فهي حرام قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره.) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ). ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. فما بالنا بالمحارم ذوات الأرحام.. إنه صنيع ترفضه الفطرة ويجرمه العرف بصرف النظر عن الدين والثقافة.. فما بال البعض لا يكادون يفقهون أو يشعرون؟!!

يبدو أن الأمر مردُّهُ إلى التعود على الأكل الحرام والمال الحرام، إضافة إلى اختلاط الأنساب بالسفاح والحمل الحرام.. لأن الإنسان السَّويّ لا تُثار شهوته أبدا على محارمه؛ مهما كانت الظروف.. فإذا رأيت خلاف ذلك فاعلم أن السحت والسفاح هما السبب، فهما يغيّران الفطرة، ويحوّلان الجسم إلى أن يكون وقودا لجهنم، ويتحول معهما المزاج من الاستقامة والإنسانية إلى القذارة والحيوانية العجماء الصمّاء، التي لا ترعى حرمة ولا تحفظ عورة.!!

هذا؛ وقد وردت عدة أحاديث في الزنا بالمحارم منها: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (بينما أنا أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتوا قبة فاستخرجوا منها رجلاً فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه) رواه أبو داود في باب الرجل يزني بحريمه. إضافة إلى ما سبق من أحاديث.. مع أن الفطرة السليمة لا تسأل عن دليل في تحريم وتجريم هذا النجَس.. لأن الله قد فطرنا على التعفف عن القذارة بكل صورها..

يذكر الجوزجاني أنه رُفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن أبي مطرف رضي الله عنه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف”. وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويدخل ماله في بيت المال، وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة الأمر أن الزنا بالمحارم من كبائر الذنوب وهو من أقبح الزنا على الإطلاق، وعقوبة من يفعل ذلك القتل مطلقاً سواء أكان محصناً أو غير محصن، أما إذا لم يُرفع أمره إلى القضاء فالواجب على من وقع في ذلك أن يتوب توبة صادقة بشروطها، لعل الله يتوب عليه، وأمره مفوّض إلى الله.

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد.. د. فتحي حجازي مع الحديث (65) من (مختصر الشمائل المحمدية)