الرئيسية / سلايدر / د.محمد الجبة يكتب..”الأروقة الأزهرية”

د.محمد الجبة يكتب..”الأروقة الأزهرية”

في عهد العزيز بالله الفاطمي أقيمت بالأزهر حلقاتٌ علميَّةٌ بإشارةٍ من وزيره يعقوب بن كِلِّس، وكان عددُ طلاب أوَّلِ حلقةٍ سبعةً وثلاثين طالبًا بنى لهم بيتًا بجوار الأزهر، وكان يعدُّ أولَ إسكانٍ جامعيٍّ في العالم، وكان أساسًا للأروقة التي بُنِيَتْ بعد ذلك، حيثُ توسَّعوا فيها لِتُواكِبَ الأعدادَ الغفيرةَ التي جاءت من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ للدراسة المَجَّانِيَّةِ التي أنعم بها العزيزُ بالله على طُلاب الأزهر، حيثُ أوقفَ أطيانًا وعقاراتٍ تُدِرُّ دخلًا سنويًّا وشهريًّا يُنفقُ من رِيعِه على طعامهم وكسوتهم وكافَّة شئون حياتهم اليومية.
وقد كان مقرَّرًا لهؤلاء الطُّلَّابِ في كل يوم طعامٌ ساخنٌ من مطبخ الأزهر يتكوَّنُ من الأُرز الأبيض بالسَّمن البلدي، واللحم الجاموسي بالشوربة الساخنة في الغَداء، بالإضافة إلى الجراية اليومية، وهي ثلاثة أرغفة من الخبز القُرصة الجيِّد العلامة (الدقيق الفاخر)، وكان وزن الرغيف حوالي اثني عشر رغيفًا من خُبز وزارة التموين المصرية الحالي، وشرطه أن يكون كاملَ الاستدارة كامل السِّواء، ليس به لُبابة، رغيفٌ للفطور، وآخرُ مع الغَداء، وثالثٌ مع العشاء، مع شوربة القمح أو العَدَس في الفطور، والجُبن والحلوى في العشاء، وللشيخ ضعفُ ما للطالب، فيحوز ستة أرغفة، وهناك مخصَّصاتٌ أخرى من سُكَّرٍ وقهوة شهريًّا، بالإضافة إلى الجامُكِيَّةِ( ) وهي الراتبُ الشهريُّ الذي يتقاضاه الطالبُ والشيخُ من الأزهر، فيتكفَّلُ الأزهر برعايتهم وخدمتهم ومساعدتهم، حيثُ جاءوا من بلادٍ وقارَّاتٍ بعيدة لطلب العلم وحمل مشعلِ الهداية.
علاوةً على ذلك تكفَّل الأزهرُ بصرف كسوتين لكل طالبٍ، كسوةٍ شتويَّةٍ من الملابس الصُّوفية الدَّاكنة التي تجلب الحرارةَ والدفءَ في زمهرير الشتاء، وكسوةٍ صَيفيَّةٍ من الملابس البيضاء التي تعكسُ حرارةَ الشمس وتُخفِّف من قَيْظِ الصيف، فالطالبُ والشيخُ كلاهما – بهذه الصورة – موظَّفان بالأزهر، وظيفة الأوَّل طلب العلم، والثاني شيخُهُ، بشرطِ ألا يحترفَ أحدُهما حرفةً أخرى، فإذا احترفَ أحدُهما حرفةً أخرى قُطِعت عنه الجِراياتُ والمخصَّصاتُ الأُخرى( ).
وبمجرَّد دخول الطالب إلى الأزهر كان على شيخ الأزهر أن يقوم بقيده بإحدى المؤسَّسات الوقفيَّة التي كانت تزوِّده بجراياتٍ أو مرتَّبات صغيرة أو بكليهما، كما كان توفيرُ مكانٍ لسكن الطُّلاب الوافدين إلى الأزهر من مصر أو من خارجها مسألةً مهمَّةً بالنسبة لشيخ الأزهر ولمشايخ الأروقة، فتُشير الوثائق الرسمية إلى أنه من مهام شيخ الأزهر: ألا يسكن طالبٌ في أحد أروقة الأزهر أكثر من عامٍ، وكان الهدف من ذلك هو توفير فرصة للوافدين الجُدُد للسَّكن بلا مقابل ريثما يستطيعون توفير أماكن للسكن ( ).
وقد انتشـرت حول الجامع الأزهر الوكالاتُ والرباعُ والبيوتُ، حيث تحوَّلت المنطقة المحيطة بالأزهر إلى (مدينةٍ جامعيَّةٍ) حيٍّ خاصٍ بالمعلِّمين والمتعلِّمين في الأزهر، فهناك دَرْبٌ للأتراك، ودَرْبٌ للمغاربة وغيرهما، ولم يكن يُسمَح للمُقتدرين بالإقامة في غُرَف الأروقة، بل كان يسكن بها الأشد فقرًا، فإذا جاء طُلابٌ فُقراءُ ولم يجدوا لهم أماكنَ للسكن بالأروقة كان عليهم السكن في بعض التكايا، مثل: التكيَّة السليمانية، أو تكيَّة إسكندر باشا، أو تكية محمد بك أبي الدهب لحين فراغ مكان لهم بالرواق، أو في الرباع والوكالات التجاريَّة القريبة من الأزهر، فيما كان يمكن لمتوسِّطي الحال أو المستورين الإقامة في أحد الدُّروب المجاورة مباشرةً للأزهر( )، وكان شيخُ الأزهر أو من ينوبُ عنه يقوم بشكلٍ دوريٍّ بتفقُّد الغُرَفِ وأماكن سُكنى الطلاب في الأزهر، فإذا وجد أن أحدَ الطلاب قد ترك غُرفَته وسكن في مكانٍ آخرَ فإنه يطلب منه إخلاءَ احتياجاته منها ومغادرتها من أجل إسكان أحد الطلاب مكانه، وتُشيرُ إحدى الوثائق إلى قيام شيخ الأزهر عُثمان الفُتُوحي الحنبلي( ) بإلزام أحد الطلاب بترك غرفته بعد أن تركها مغلقةً دون أن يسكن بها، وألزمه أمام القاضي بذلك( ).
قال الرَّحالةُ التُّركي (أوليا جَلَبِي): «والأماكنُ المخصَّصةُ لإلقاء الدروس في أَواوِينِ الأزهرِ تُسَمَّى بالأروِقَة، ففي جوانبه الأربعةِ خمسون رواقًا، أي أماكن أقوامٍ من خمسين بلدًا، والحقُّ أنَّ كلَّ رُواقٍ من تلك الأروقةِ حافلٌ بعلماء المسلمين، بحيث إنَّ سُكَّانَ أيِّ رواقٍ لا يعرفون عن سُكَّانِ أيِّ رواقٍ آخرَ لُغَتَهُمْ ولا سائرَ أحوالِهِمْ، فكُلٌّ مشغولٌ بعمَلِهِ، وإذا حضرت الصلاةُ – والعَظَمَةُ لله – فكأنه يومُ الحَشْرِ، يَحمِلُ كُلٌّ منهم كُتُبَهُ وثَوبَهُ، ويُجَدِّدُ وُضوءَهُ ويُصَلِّي، ثم يعودُ إلى مُذاكرة العلم، لا جرمَ أني أنا الحَقِيرَ لم أسمعْ في الأزهر كلامَ هذه الدنيا الدنيئة، فما زُرْتُهُ إلا تَجَرَّدْتُ من العلائقِ الدنيوية، ونِلْتُ حظوةً من حالةٍ أُخرى»( ).
وقد تعدَّدت هذه الأروقة وكَثُرَتْ عبر الأزمان والأعصار، حتى صار بالأزهر الشريف نوعان من الأروقة، أحدهما للمصريين، والآخر للوافدين.

أولًا: أروقة أهل مصر( ):
رواق الرِّيافة: وهو مخصص لأهل ريف مصر، وهو رواق كبير من الأروقة القديمة.
رواق البحاروة: لأهل الوجه البحري، ويقع على شمال باب المزينين ويفتح بابه على صحن الجامع، ولم يعد لهذا الرواق وجود، حيث هدم وانتقل طلابه إلى الرواق العباسي.
رواق الصعايدة: وهو أشهرها جميعًا، وهو على يمين الداخل إلى الجامع من باب الصعايدة، من إنشاء الأمير عبدالرحمن كتخدا، الذي بني له مدفن في الدور الأول تحت هذا الرواق.
رواق الشراقوة: لأهل الشرقية، أنشأه الوالي إبراهيم بك الجركسي، محبة في شيخ الإسلام عبد الله الشرقاوي، وتخليدًا لذكراه، ويسكنه مجاورو الشرقية الفقراء ويقع في النهاية البحرية من المقصورة القديمة.
رواق زاوية العميان: خارج المدرسة الجوهرية في الجانب الثاني من الحارة، بينهما ممر من الحجر يمشي عليه المتوضئون من ميضأتها، أنشأه الأمير عثمان كتخدا ( ).
رواق الفَشْنية: خاص بسكن المجاورين من منطقة الفشن (أحد مراكز بني سويف).
رواق الفيِّمة أو الفيُّومية: لأهل الفيوم، يقع بين رواق البحاورة ورواق الشنوانية في الزاوية الشرقية من الصحن.
رواق الشنوانية: ويعرف أيضًا برواق الأجاهرة أو رواق المنايفة، ويقع بجوار رواق الفيومية، وقد خصص لأهل الأجاهرة، من جنوب الدلتا، وشنوان قرية تبعد ستة كيلومترات عن شبين الكوم.
رواق الحنفية: يقع بين رواق الفشنية والشنوانية وكان بابه إلى الصحن، يدخل منه في سرداب ضيق طويل.
رواق الحنابلة: يقع بجوار زاوية العميان، أنشأه الأمير عثمان كتخدا، ويحتوي على مساكن علوية جددها الأمير راتب باشا، وأجرى على أهل هذا الرواق مرتبات عظيمة، وهو خاص بالفقهاء الحنابلة.
الرواق العبَّاسي: أنشأه الخديوِي عباس حلمي الثاني، وتم بناؤه في عهد مشيخة الشيخ حسونة النواوي للأزهر، واحتفل بافتتاحه سنة 1315هـ – 1897م.
ثانيًا: أروقة الوافدين ( ):
رواق الحرمين: أو المَكَّاوية، ويقع على يمين الذاهب إلى المنبر السالك من باب الصعايدة، ويسكنه طلبة مكة المشرفة وسائر جهات الحجاز بما فيها المدينة المنورة والطائف وغيرها، ويحتوي على قاعة سفلية وثلاث حجرات علوية.
رواق البرابرة: من شمال الداخل من باب المقصورة الشرقي (باب الشوربة وهو مجرد مخزن دواليب، وكان يسكن به أهل تشاد وما جاور بحيرة تشاد).
رواق السِّنَّارية: لأهل طلبة السودان وما جاوره غربًا، ويعد من أشهر أروقة الأزهر.
رواق الشوام: أنشأه السلطان قايتباي، وكان على يمين الداخل من باب رواق الشوام، وقد زاد فيه الأمير عثمان كتخدا، ثم الأمير عبد الرحمن كتخدا، حتى أصبح أكبر من رواق الصعايدة الذي أنشأه هو.
رواق المغاربة: بالجانب الغربي من صحن الجامع، مكتوب على بابه: (أمر بتجديده مولانا وسيدنا السلطان الملك الأشرف قايتباي على يد الخواجة مصطفى بن الخواجة محمود غفر الله لهما)، وهو من الأروقة الكبيرة المهمة، وبه مساكن علوية وكانت فيه بئر ومطبخ وحنفية داخلية، وبه خزانة كتب كبيرة، ويستحق أوقاف هذا الرواق كل مجاور من بلاد المغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا) وكان لهذا الرواق بواب، وكاتب يتولى إثبات الحاضرين والغائبين والمسافرين وغيرهم، وشيخ ونقيب.
رواق الجوهرية: «نسبة إلى المدرسة الجوهرية» ويقيم به طلبة هذه المدرسة، المرتبون بها، وقد كانت هذه المدرسة إلى وقت قريب مكانًا لتدريس الخطوط العربية.
رواق دكارنة صليح: لأهل إقليم بحيرة تشاد والتُّكرور وغيرها، ويجاور رواق الشراقوة، وهو مجرد مخزن دواليب وكان يسكن به أهل تشاد وماجاور بحيرته.
رواق الأكراد: ويقيم به طلاب المنطقة الكردية على يمين الداخل من باب المزينين بجوار رواق اليمينة.
رواق الهنود: ويقيم به الطلبة من شبه القارة الهندية، ويقع على يمين الداخل من باب المزينين بالجامع الأزهر.
رواق البغاددة: أو البغداديين ويقيم به أبناء العراق، ويقع أعلى رواق الهنود وكان يشتمل على مسكنين ومطبخ وبيت خلاء.
رواق البرنية: ويقيم به أهل برنو (دولة برنو) إقليم غرب إفريقيا، ويقع بين رواق الأتراك ورواق اليمنية، وهو محل أرضي صغير، كان جزءًا من رواق الأتراك.
رواق الجَبَرْت: هو في داخل رواق البرنية وأوسع منه وبه مقعد كبير ودواليب، والجبرت اسم لبلدة بالحبشة تقع على الساحل الأفريقي لخليج عدن وكانت تتبع بلاد زيلع وهي الآن تقع في دولة إرتريا، ولم تشر المصادر إلى تاريخ إنشائه تحديدًا، وقد كان مخصصًا لطلبة العلم الوافدين من الصومال وإريتريا وشرق أفريقيا، وأهله قليلو العدد، وظهر منهم علماء جهابذة منهم الشيخ حسن الجبرتي ، ومن أشهر شيوخه الشيخ أحمد بن محمد الجبرتي، وإلى إقليم الجبرت ينتسب إليها المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر الحملة الفرنسية على مصر ووصف تلك الفترة بالتفصيل في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» .
رواق اليمنية: لأهل جنوب الجزيرة العربية، بجوار رواق البرنية، وله باب على الرحبة المسقوفة خارج باب الأتراك.
رواق الأتراك: أو رواق الأروام يقع على يسار الداخل من باب المغاربة وإلى يمين الداخل من باب المزينين، وله باب مجاور لباب رواق المغاربة، كما أن له بابًا آخر على صحن الجامع، ويحتوي على ستة عشـر عمودًا من الرخام، واثني عشر مسكنًا علويًّا، وكان فيه خزانة كتب كبيرة تضم عددًا وافرًا من أمهات الكتب من مصادر ومراجع، والتي بلغ عددها (5051)، وقد أنشأ رواق الأتراك السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي، وكان الرواق مخصصًا للطلاب الوافدين من تركستان، ووسط آسيا وغرب آسيا، وكذلك من ألبانيا وبعض بلاد البلقان.
رواق الأفغان: أو رواق السليمانية، أنشأه الأمير عثمان كتخدا القازدغلي المتوفى سنة 1149هـ/1736م، وهو من أتباع حسن جاويش القازدغلي، ووالد عبد الرحمن كتخدا، ويقع بين باب الشوام ورواق جاوة، وكان به خمسة مساكن وخزانة كتب كبيرة، لها قيِّمٌ، ومن شيوخه الشيخ جان محمد الأغواني وأهله قليلون ومرتبهم من الجراية كل يومين أربعون رغيفًا، وقد ضم رواق السليمانية حاليًا إلى ساحة الجامع.
وكان الطالبُ إذا التحق بالأزهر صغيرًا سُلِّمَ لِمَنْ يَكْبُرُهُ من بني جِلْدَتِهِ، فيعلِّمه لغةَ أهلِ القاهرة، وشوارِعَها ودُروبَها وحارَاتِها، كما يُعَرِّفُهُ قوانينَ الدولة وعادات وتقاليد أهلها، ويُعَلِّمه ألا يخرج عليها بحالٍ، وأن يلتزم بحدود اللِّياقة واللَّباقة والأدب الرفيع والأخلاق الإسلامية الكريمة.
ثم يُدفَعُ به إلى كُتَّابِ رُواقِهِ أو أيِّ كُتَّابٍ من كتاتيب الأزهر، حيث يتمُّ تحويله من لُغَةِ بلدِهِ بمُعَلِّمٍ من بني جِلْدَتِهِ لِيُعَلِّمَه اللغةَ العربيَّةَ بالتَّلقينِ قراءةً وكتابةً، ثم يدخلُ في حِفْظِ القرآن الكريم، ثم ينتقلُ إلى حفظ المتون – وهي مختصراتٌ للعلوم التي سيَدْرُسُها – نَثْرِيَّةً أو شِعريَّةً في العلوم العربية والإسلامية والفلسفية … إلخ( ).
وكان لكلِّ رُواقٍ شيخٌ هو أكبرُ شيوخه سِنًّا، وكان يتميَّزُ بالوَقارِ وحُبِّ الطلابِ له، وكان يشترطُ فيه أن يعمل على مصلحة الطلاب، ولا بُدَّ أن يكون واسعَ الاتصالات خاصَّةً مع شيخ الأزهر، ويُساعِدُهُ شيخٌ هو وكيلُ الرُّواقِ، وهو الذي يَحُلُّ محلَّهُ عند غيابِهِ في سفرٍ أو خلافه، ويقوم مقامه في العمل على مصالح الرُّواق.
هذا .. ومِن مُوَظَّفي الرُّواقِ نَقِيبُ الجِرَايَة (الخُبز) الذي يتولَّى توزيعها على الطُّلاب وقت حُضُورِها من المَخْبَزِ بالعَدلِ وبالحقِّ والمُستحَقِّ.
وهناك جابي الوَقْفِ الذي يجمعُ رِيعَ الوَقفِ من أطيانٍ وعقاراتٍ، ويُسَلِّمها لشيخ الرُّواقِ؛ لِتوضَعَ في خزينة الوقف لينفق منها على الطُّلاب والشيوخ ومصالح الرُّواق الأُخرى.
وهناك مَلَّاءُ الرُّواقِ، وفَرَّاشُ الرُّواقِ، وحارسٌ ليليٌّ، وآخَرُ نَهارِيٌّ.

شاهد أيضاً

ما حكم الاحتفال بيوم الأم ؟

الأعياد الوطنية والاجتماعية جائزة ومن ثم لا مانع شرعاً من البهجة والسرور فيها خاصة التي …